أوراق الخميس
بقلم الدكتور: السبتي سلطاني
حديثنا في هذا العدد سيكون محوره أحد أبرز المثقفين الكبار الذين جادت بهم مدينة عنابة، بل إنه قامة من القامات الثقافية المتميزة في مدينة الإيدوغالأشم ونعني بها المؤرخ والباحث والمثقف حسن دردور.
ولد فقيد الثقافة العنابية حسن دردور سنة 1911 بمدينة عنابة التي كرّس حياته خدمة لها، فانطلق منذ نعومة أظافره في الدفاع عنها والذود عن مقوماته من براثن المستدمر الغاشم الذي عمد إلى طمس هويتها الثقافية ونسيجها المجتمعي عبر العديد من الممارسات الشنيعة التي كانت تعتمد على محو كل ما له علاقة بالهوية الثقافية للمجتمع العنابي، ومن هنا كان منطلق الباحث والمثقف حسن دردور الذي جعل من المقاومة الثقافية سلاحا فتاكا في وجه كل محاولات فرنسا البائسة.
ولم يكتف حسن دردور بدور الكاتب والمؤلف الذي قام للرد على الأفكار الاستعمارية المسمومة فحسب، بل جعل من حياته رسالة مقاوِمة لكل أشكال المسخ والتزييف التي مارستها فرنسا التي تدعي قيم الحرية والإنسانية، لقد وجد الرجل في كافة الأنشطة الاجتماعية والثقافية وسيلة من وسائل إثبات الذات، حيث مارس كرة القدم في بعض نوادي المدينة عندما كانت كرة القدم تعني شكلا من أشكال المقاومة السياسية في وجه المستعمر الفرنسي الغاشم، كما انضّم الرجل وهو صغير إلى أفواج الكشافة الإسلامية التي كونت لديه وعيا ورؤية سياسية تقوم على وجوب التميز عن الآخر المحتل الذي جاء إلى هذا البلد مدمرا لا معمرا، فنضج الفتى على قيم الحرية ومحاربة الظلم والاعتماد على النفس، وهي أبرز القيم التي تتخذ منها الكشافة الإسلامية مادة حية لتأهيل جيل من الشباب المعتز بقيمه وهويته.
وقد رأى الباحث في التاريخ والآثار الدكتور سعيد دحماني في حديث ليومية الشعب على هامش تنظيم ملتقى وطني حول حسن دردور سنة 2016 أنّ فترة الثلاثينيات كانت حبلى بالأبطال والمواقف حيث قال:” ظهرت نخبة في الثلاثينيات الأربعينيات وقفت في وجه الاستعمار الفرنسي الذي حاول طمس تراثنا، ودخلت في معركة تراثية ضده، وعلى رأسهم حسن دردور الذي واجههم بكتاباته وأسس جمعية «المزهر البوني» التي تهتم بتراث المدينة وتاريخها، مضيفا أن دردور بعد الاستقلال دخل مرحلة جديدة لاعتنائه بالتراث وقدم كتابة الشهير «عنابة 25 قرنا من الحياة اليومية والمقاومات”
لم يقف دور حسن دردور رفقة بناء جيله من مثقفي هذه المدينة عند مواجهة المحتل بالكتابة والتوثيق التاريخي بل وجدوا في المسرح وكافة أشكال المقاومة الثقافية وسيلة للتعبير عن هوية الشعب الجزائري التي لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن تندثر، حيث يرى الأستاذ إدريس بوذيبة مدير ثقافة سابق بمدينة عنابة أنّ: ” حسن دردور شخص غير عادي، حيث لو عدنا إلى الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي كتب فيها، فلا يمكن إلا أن نحتفي به ونشيد بخصاله… إنّه اهتم بتاريخ المدينة وتراثها وبمسرحها وطبوعها الموسيقية، وبذلك هو واحد من حراس الذاكرة الثقافة والتاريخية للمدينة حيث ينحدر من عائلة فنية ومثقفة.”
فبالنظر إلى السياق التاريخي في العهد الاستعماري البائد كان الحديث عن الهوية الثقافة الجزائرية يشكل خرقا في جدار القهر الفرنسي وكل من يتحدث عن ذلك يكون مصيره السجن والتنكيل، لكن الرجل كان مؤمنا برسالته مدافعا عنها بكل ما أوتي من وعي وإدراك، لذلك لم يتردد ولم يجبن ولم يتخلف عن أداء واجبه الوطني.
بعد الاستقلال واصل حسن دردور رسالته الثقافية واهتم بالمسرح، بل إن الرجل شغل منصب مدير للمسرح الجهوي بعنابة لمدة 11 سنة، كانت من ازهى فترات المسرح الجزائري، حيث ألف العديد من المسرحيات التي لاقت نجاحا باهرا منها على سبيل المثال لا الحصر: “الطاووس الذليلة“، “جريمة الأحدب“، “الرحيل“، “جحا والعصا“ “صالح باي“ كما كان له شرف تأسيس بعض النوادي الثقافية على غرار جمعية ” المزهر البوني ” ولعل أبرز ما تركه الرجل من أعمال عظيمة كتابه التاريخي الهام الذي يعد ذاكرة حية لمدينة عنابة: ” عنابة 25 قرنا من الحياة اليومية والمقاومات“
وتوفي الكاتب والمثقف الألمعي حسن دردور يوم 18 فيفري 1997 بعنابة التي أحبها وعاش وناضل من أجلها، وبوفاته فقدت مدينة عنابة قامة ثقافية سامقة، رحمه الله وجعل الجنة مأوه… سلام.
