ليست أغنية “المقنين الزين” مجرد قطعة من تراث الشعبي الجزائري، بل تُعد شهادة فنية على واحدة من أكثر صفحات الاستعمار الفرنسي قسوةً خلال الثورة التحريرية. فقد وُلدت كلماتها وألحانها في قلب المعاناة، داخل أسوار سجن سركاجي، حين خطّها الفنان والمجاهد محمد الباجي، المعروف بلقب “خويا الباز”، سنة 1957، وهو ينتظر حكم الإعدام.
بوعلام رحال.. فدائي في عمر الزهور
تستمد الأغنية روحها من قصة الشاب الفدائي بوعلام رحال، زميل محمد الباجي في الزنزانة. كان رحال شاباً يافعاً، لاعباً موهوباً في فئة الأصاغر بنادي مولودية الجزائر، وناشطاً في صفوف جبهة التحرير الوطني. انخرط مبكراً في العمل الفدائي، وارتبط اسمه بعمليات جريئة هزّت الإدارة الاستعمارية، من بينها تفجير الملعب البلدي بالأبيار في فيفري 1957.
غير أن مسار رحال النضالي انتهى سريعاً باعتقاله، وهو لم يتجاوز التاسعة عشرة من عمره، ليصبح اسمه لاحقاً عنواناً لمأساة قانونية وأخلاقية.
حين يُزوَّر العمر لتُنفَّذ المقصلة
بحسب الروايات المتداولة في الذاكرة الوطنية، واجهت السلطات الاستعمارية عقبة قانونية حالت دون تنفيذ حكم الإعدام، إذ كان القانون الفرنسي يمنع إعدام من هم دون سن العشرين. غير أن الإدارة الاستعمارية، في سابقة صادمة، لجأت إلى تزوير شهادة ميلاده بإضافة أشهر إلى عمره، ليُعتبر “بالغاً” من الناحية القانونية. وفي فجر 20 جوان 1957، نُفّذ فيه حكم الإعدام بالمقصلة داخل سجن سركاجي.
حادثة ظلّت محفورة في الوجدان الجزائري، باعتبارها مثالاً على توظيف القانون لخدمة آلة القمع الاستعماري.
“المقنين”.. رمز الجمال والحرية
داخل الزنزانة، تحوّل رحال إلى مصدر إلهام فني. فقد كان يُلقّب بـ “المقنين”، تشبيهاً بطائر الحسون، لنحافة جسمه وخفة حركته. هذا اللقب أصبح مفتاح القصيدة التي كتبها محمد الباجي، حيث اختار الطائر الأسير رمزاً للشهيد الجزائري، الذي يُقيَّد جسده لكن تبقى روحه حرّة.
ويروي الباجي في شهادات لاحقة أن شرارة النص انطلقت من موقف مع أحد السجّانين الفرنسيين، حين سخر منه ودعاه إلى الغناء في “قفصه”. فجاء الرد قصيدةً تنقلب فيها صورة السجين من كائن ينتظر الموت إلى صوت يتغنّى بالحياة والحرية.
وصية صامتة قبل الرحيل
قبل توجهه إلى المقصلة، أهدى بوعلام رحال “شاشية” بألوان العلم الوطني لمحمد الباجي. لم تكن الهدية سوى إشارة رمزية، قرأها الباجي كوصية صامتة، فحوّلها إلى أثر فني خالد، يحمل مزيج الحزن والكبرياء.
لغة مشفّرة تتحدى الرقابة
جاءت كلمات الأغنية محمّلة بدلالات رمزية، بلغة تُخفي أكثر مما تُظهر:
-
“يا المقنين الزين.. أنت في قفص حزين”: استعارة الشهيد بالطائر الأسير.
-
“لا من يعرف غناك منين”: إحالة إلى سرية العمل الثوري ومنبعه الوطني.
-
“تتفكر الأيام اللي كنت فيهم حر”: استحضار لذاكرة الحرية قبل الأسر.
بهذه اللغة، استطاع النص تجاوز الرقابة الاستعمارية، ليصل إلى وجدان الجزائريين كمرثية مشحونة بالمعنى النضالي.
من الزنزانة إلى الخلود الفني
بعد الاستقلال، تحوّلت “المقنين الزين” إلى واحدة من أبرز أيقونات الأغنية الشعبية الجزائرية، وتناوب على أدائها كبار فناني الشعبي، من بينهم أعمر الزاهي، نعيمة الدزيرية، وبوجمعة العنقيس. وبمرور الزمن، خرجت الأغنية من إطار الرثاء الفردي إلى فضاء الذاكرة الجماعية، بوصفها مانيفستو فنياً يوثق تضحيات جيل كامل.
