قد يعتقد البعض أن قاعات السينما وسط المدينة، من الكماليات، ولكن ذلك مجانب للصواب في الحقيقة، قاعات السينما وسط المدينة قد تكون حافزا اقتصاديا وأمنيا كبيرا، فالمحيط بين سينما الحمراء (أولمبيا)، وأفريقيا والإيدوغ المقدر بـ 1.69 كيلومتر، بمساحة تقريبية 5.3 هكتار وهي مساحة هامة خاصة وأنها تقع في وسط مدينة صغير من الأساس، هو فضاء جامع لعشرات المحال التي غالبا ما تغلق أبوابها قبيل آذان المغرب، و ما إن تتراجع أشعة الشمس، يتراجع معها نبض المدينة، إلا أن تصاب بسكتة قلبية، تنعشها أشعة الشمس صباحا، فهل يعقل أن تنام مدينة بحجم عنابة؟ وأن تضيع على نفسها فرصا اقتصادية يمكنها ان تغير من وجهها؟
في ذات المساحة، وللأسف، تقع العديد من عمليات السرقة بجميع أنواعها، بداية من فتح السيارات إلى غاية حوادث “البراكاج” تحت تهديد السلاح، كما تعرف تلك المساحة انتشار ظاهرة بيع الكحول غير المرخص على قارعة الطريق، الأمر الذي يجعل من وسط عنابة مكانا خطيرا ليلا، وهنا يجب أن نحاسب أنفسنا، ما الذي فعلناه كي تعاقبنا المدينة بهذه الطريقة؟ ببساطة، تركناها فتركتنا، فلو لم يجد المجرمون مساحة فارغة، لما تمكنوا من استغلالها أصلا، لكن ما الذي سيدفع التجار لإعمارها ليلا؟ فأن يغامر تاجر بمضاعفة نفقاته من أجل استدراج الزبائن، فتلك “مخاطرة” بالنسبة له .. والتاجر يتعامل بـ “براغماتية” المخاطرة .. وهنا يكمن مربط الفرس، إقناع التاجر بأن المخاطرة تستحق,
في مرحلة سابقة، كانت سينما “الحمرا” تفتح أبوابها ليلا لا لعرض الأفلام بل لمباريات الشمبيانز ليغ، ورغم نوعية زبائنها، إلا أن بعض المحلات كانت تغامر بفتح أبوابها ليلا، تخيل لو تحسنت نوعية الزبائن لغامر المزيد من الباعة وفتحوا أبوابهم ومعه قلب عنابة الكبير أيضا، وتدريجيا قد تعود إلى عنابة حركيتها .. فالناس لا يحتاجون للكثير، إنما لسبب مقنع فقط، وهذه هي المعادلة:
فتح قاعات السينما بمواصفات معقولة يستقطب زبائن محترمين، الزبائن يملؤون الحيز (الطبيعة تأبى الفراغ) .. وبالمرافقة الأمنية من شرفاء المدينة أولا، ورجال الشرطة ثانيا، ستفتح المحلات، وما إن تفتح المحلات حتى تتوفر أسباب ثانية تحفز المواطنين للنزول إلى وسط المدينة.
تخيل أباً يرافق ابنه ليلا لشراء حذاء، وبعد أن ينهي تلك المهمة، يكتشف أن قاعة سينما الإيدوغ، أو أفريقيا أو الحمراء تعرض برنامجا عائليا غنيا .. تلك اللحظة وبتوفير العوامل الملائمة قد يلد “مشاهد” صغير .. “مثقف صغير” .. “مستهلك سينمائي صغير” سمه ما شئت .. لكنها ستكون لحظة ولادة إنسان له علاقة بالثقافة، وبالتأكيد بقلب المدينة، وهي بحد ذاتها ثقافة، ثقافة الارتباط بالمكان، وربطه بالثقافة والإنسان.
