دخل مشروع “الخط المنجمي الشرقي” الرابط بين منجم بلاد الحدبة بتبسة وميناء عنابة مراحله الحاسمة، مكرساً بذلك التوجه الاستراتيجي الجديد للجزائر الرامي إلى تثمين الموارد المنجمية خارج قطاع المحروقات.
هذا المشروع الاستراتيجي، الذي يمتد على مسافة 422 كيلومتراً، لا يعد مجرد عملية لتحديث شبكة السكك الحديدية، بل يمثل حلقة الوصل اللوجستية الأساسية لـ “مشروع الفوسفات المدمج” باستثمارات ضخمة تتجاوز عدة مليارات من الدولارات.
وتشير البيانات التقنية الحالية إلى أن المشروع يهدف لرفع طاقة استيعاب النقل المنجمي من 3 ملايين طن سنوياً إلى قرابة 10 ملايين طن من الفوسفات الخام والمعالج.
وتتوزع الأشغال حالياً بين ازدواجية الخطوط القائمة وعصرنة المنشآت الفنية عبر خمس ولايات شرقية، بهدف تأمين تدفق مستمر للمواد الأولية نحو مجمعات التحويل الكيماوي بـ “واد الكبريت” وصولاً إلى أرصفة التصدير بميناء عنابة.
ومع اقتراب الآجال التعاقدية للتسليم، تبرز ولاية عنابة كمركز ثقل في هذه المعادلة؛ حيث تجري بالتوازي أشغال توسعة جذرية للميناء التجاري لتهيئته لاستقبال ناقلات الشحن الكبرى. ومن المرتقب أن يحول هذا الخط المنجمي مدينة عنابة إلى نقطة ارتكاز محورية (Hub) في سوق الأسمدة الدولية، مما يمنح الجزائر قدرة تنافسية عالية في توريد هذه المادة الاستراتيجية نحو الأسواق الأوروبية والآسيوية.
التحديات التقنية والهندسية.. “تطويع” التضاريس لخدمة القطار المنجمي
تتمحور هندسة المشروع حول تحويل المسار الكلاسيكي القديم إلى خط مزدوج ومكهرب بالكامل، يمتد من ولاية تبسة وصولاً إلى عنابة. وتكمن الأولوية التقنية في هذا المحور في رفع قدرة تحمل السكة الحديدية لكتلة المحور (Charge à l’essieu) لتصل إلى 25 طناً، وهو معيار دولي ضروري لضمان سير قطارات الشحن العملاقة التي ستقطر آلاف الأطنان من الفوسفات الخام والمعالج. كما يتم تجهيز المسار بنظام الإشارة والاتصالات اللاسلكي العالمي (ERTMS)، الذي يسمح بمراقبة حركة القطارات آلياً وتأمينها، مما يرفع من وتيرة الرحلات اليومية ويقلص الفوارق الزمنية بين عمليات الشحن.
وقد فرضت الطبيعة الجبلية القاسية لولايتي سوق أهراس وقالمة على المهندسين بناء منظومة معقدة من المنشآت الفنية. ويشمل المشروع تشييد وجرد عشرات الجسور والأنفاق، أبرزها في المقطع الرابط بين “بوشقوف” و”دريعة”، حيث تطلب المسار إنشاء جسور خرسانية ضخمة لتفادي المرتفعات الحادة، وضمان “زاوية ميلان” تقنية لا تتجاوز حدوداً معينة تسمح للقاطرات الثقيلة بالمحافظة على سرعتها وتوازنها. هذه المنشآت تم تنفيذها وفق معايير هندسية تضمن استدامة السكة تحت ضغط الحمولات المنجمية الكثيفة والظروف المناخية الصعبة للمنطقة الشرقية.
كما واجهت مجمعات الإنجاز (كوسيدار والشركات الوطنية المتخصصة) تحديات جيوتقنية تتعلق بطبيعة التربة في حوض قالمة والمناطق المجاورة، حيث تطلبت استقرارية السكة عمليات حقن وتثبيت معقدة للأرضية لتفادي الانزلاقات المستقبلية. ويعد المقطع الرابط بين “واد الكبريت” و”عنابة” الأكثر حيوية، كونه يمثل عنق الزجاجة للمشروع؛ حيث تجري الأشغال هناك على مدار الساعة لضمان الربط النهائي مع رصيف التصدير. الهدف هو خلق “رواق منجمي” أخضر خالٍ من التقاطعات السطحية، مما يضمن تدفق مادة الفوسفات دون انقطاع نحو الواجهة البحرية.
الأبعاد السوسيو اقتصادية.. التكامل الولائي كقاطرة للتنمية الجهوية
يتجاوز مشروع الخط المنجمي أهدافه التقنية المرتبطة بشحن الفوسفات، ليتحول إلى أداة استراتيجية لربط ولايات عنابة، الطارف، قالمة، سوق أهراس ووتبسة ضمن شبكة لوجستية موحدة. هذا الربط السككي المزدوج ينهي عقوداً من “العزلة التقنية” للمناطق الداخلية، حيث يؤسس لنشوء رواق اقتصادي يربط الهضاب العليا بالواجهة البحرية. وبموجب هذا التكامل، تتحول الولايات الحدودية من مناطق عبور إلى مراكز نشاط موازٍ، مستفيدة من حركية النقل الكثيفة التي ستنعش التبادل التجاري البيني وتخفف الضغط على شبكة الطرقات الوطنية التي تضررت بفعل الشاحنات ذات الوزن الثقيل.
و يسمح ربط هذه الولايات الخمس بفتح آفاق جديدة للمناطق الصناعية الواقعة على طول المسار، لا سيما منطقة “واد الكبريت” بسوق أهراس و”حجر السود” بسكيكدة المرتبطة بالشبكة. فوجود سكة حديدية عصرية بقدرات شحن عالية يشجع على توطين صناعات تحويلية صغيرة ومتوسطة تعتمد على مشتقات الفوسفات والكبريت، مما يخلق نسيجاً صناعياً متكاملاً يتغذى من المنجم ويصدر عبر الميناء. هذا الترابط يضمن توزيعاً عادلاً لثمار “مشروع القرن”، بحيث لا تقتصر الفائدة على نقطتي الاستخراج والتصدير، بل تمتد لتشمل كافة البلديات والولايات التي يشقها القطار.
يمثل المشروع مصدراً حيوياً لخلق مناصب الشغل الدائمة في ولايات الشرق، حيث يتطلب تسيير وصيانة هذا الخط وتوابعه اللوجستية يداً عاملة متخصصة من أبناء هذه المناطق. كما أن عصرنة الخط المنجمي ستنعكس إيجاباً على خدمة نقل المسافرين؛ إذ أن ازدواجية السكة وكهربتها ستسمح بتسيير رحلات أسرع وأكثر أماناً بين عنابة وتبسة مروراً بسوق أهراس وقالمة. هذا الجانب يعزز الحركية الاجتماعية والجامعية بين أقطاب الشرق الجزائري، ويحول السكة الحديدية من مجرد وسيلة لنقل الثروات الباطنية إلى شريان حياة يومي يربط النسيج المجتمعي لشرق البلاد بمناطقها الحدودية.
ميناء عنابة.. الواجهة البحرية لمنظومة الفوسفات المتكاملة
لم يعد ميناء عنابة مجرد نقطة تفريغ وشحن تقليدية، بل تحول في إطار مشروع “الخط المنجمي” إلى ورشة عمل مفتوحة. الأشغال الجارية حالياً تستهدف إنشاء رصيف تعديني متخصص(Quai Minéralier) بقدرات شحن أوتوماتيكية. هذا الرصيف صُمم ليتناسب مع زيادة التدفقات القادمة من “بلاد الحدبة”، حيث تم تعميق الحوض المينائي ليصل إلى 16 متراً، وهي خطوة تقنية ضرورية للسماح برسو السفن الضخمة من صنف “بايناماكس” (Panamax) التي تتجاوز حمولتها 80 ألف طن، ما يقلص تكاليف الشحن البحري ويزيد من تنافسية الفوسفات الجزائري في الأسواق الدولية.
تعتمد الفقرة التقنية لهذا المحور على نظام الربط المباشر بين السكة الحديدية وصوامع التخزين (Silos) داخل الميناء. حيث يتم حالياً تجهيز الميناء بأحزمة ناقلة (Conveyor Belts) عالية السرعة تربط مباشرة بين عربات القطار القادمة من الجنوب ومخازن الشحن. هذا النظام الآلي يقلل من تدخل العنصر البشري ويضمن سرعة في شحن السفن، مما يرفع من معدل دوران السفن في الميناء ويجعل من عنابة واحدة من أسرع موانئ تصدير المواد المنجمية في حوض البحر الأبيض المتوسط.
إن الهدف النهائي من هذه الاستثمارات في البنية التحتية لعنابة هو تحويلها إلى منصة لوجستية دولية (Hub). فمن خلال ربط المنجم بالميناء عبر خط مزدوج ومكهرب، ستتمكن الجزائر من ضمان “سلسلة توريد” لا تتوقف، وهو ما يضع مدينة عنابة في منافسة مباشرة مع الموانئ الكبرى في شمال أفريقيا وجنوب أوروبا. المشروع لا يكتفي بالتصدير الخام، بل يمهد الطريق لتكون عنابة منفذاً للأسمدة الفوسفاتية المصنعة في “واد الكبريت”، مما يضيف قيمة مضافة للميزان التجاري الجزائري.
ولاية عنابة.. التحول إلى منصة لوجستية وطاقة تصديرية عالمية
تمثل ولاية عنابة الحلقة الأهم في سلسلة القيمة لمشروع الفوسفات المدمج، حيث تجري عمليات إعادة تهيئة شاملة للمحيط المينائي لتتناسب مع التدفقات الضخمة القادمة من “بلاد الحدبة”. يتجاوز المشروع مجرد الشحن التقليدي إلى بناء محطة لوجستية ذكية تتضمن رصيفاً منجمياً متخصصاً مجهزاً بأنظمة تفريغ وشحن آلية مرتبطة مباشرة بمحطة السكة الحديدية داخل الميناء. هذا التحول التقني يسمح بمعالجة كميات هائلة من المواد المنجمية في زمن قياسي، مما يقلص من مدة انتظار السفن ويرفع من الجاذبية التجارية لميناء عنابة كواحد من أهم منافذ التصدير في حوض البحر الأبيض المتوسط.
إن توفر بنية تحتية لوجستية متطورة في عنابة، مدعومة بخط سكك حديدية مزدوج ومكهرب، يجعل من الولاية قطباً جاذباً للاستثمارات الصناعية الكبرى. المشروع يمهد الطريق لإنشاء وحدات صناعية ثانوية تعتمد على مادة الفوسفات ومشتقاتها، مما يساهم في تنويع النسيج الصناعي للولاية الذي ظل لسنوات يعتمد بشكل أساسي على مركب “الحجار” للحديد والصلب. هذا التنويع الاقتصادي يمنح عنابة مرونة أكبر في مواجهة التقلبات الاقتصادية ويخلق دورة تنموية مستدامة تعتمد على التصدير والقيمة المضافة العالية.
أما على الصعيد المحلي، فرض مشروع “الخط المنجمي” ضرورة تحديث المخطط العمراني لولاية عنابة، خاصة في المناطق المتاخمة للمسار السككي والميناء. الأشغال شملت إنجاز منشآت فنية (جسور وأنفاق) لفك الاختناق المروري وضمان عدم تقاطع مسار شاحنات نقل البضائع أو القطارات مع حركة المرور الحضرية. ومن الناحية الاجتماعية، يُتوقع أن يوفر هذا النشاط المنجمي المكثف آلاف مناصب الشغل المباشرة في تخصصات اللوجستيك، الصيانة الميكانيكية، وتسيير الموانئ، مما يمتص جزءاً كبيراً من البطالة التقنية ويعزز مكانة عنابة كعاصمة اقتصادية للشرق الجزائري.
