إسماعيل .م/مروة .ج/ مراسلون
انطلقت مطلع الأسبوع الجاري بمختلف ولايات الشرق احتفالات رأس السنة الأمازيغية “يناير 2976” في أجواء تعكس ثراء الموروث الثقافي الأمازيغي, من خلال تنظيم نشاطات تراثية و فنية متنوعة تتواصل إلى غاية 20 جانفي الجاري.
ويتوخى من تنظيم هذه الفعاليات عبر مختلف الولايات، حسب المنظمين، إبراز و إحياء الموروث المادي اللامادي الأمازيغي الذي تزخر به هذه المناطق وترسيخه لدى الجيل الصاعد وتجديد التمسك بأصالة التراث الثقافي الجزائري العريق بكل مضامينه المتنوعة.
“هوية، تاريخ وتراث” شعار الاحتفالات بعنابة
فبعنابة، احتضنت دار الثقافة والفنون “محمد بوضياف”، مساء أول أمس، تظاهرة ثقافية وفنية كبرى من تنظيم قطاع الثقافة بالولاية وبالتنسيق مع الجمعيات الثقافية، وسط حضور جماهيري لافت عكس تشبث العائلات العنابية بموروثها الثقافي وهويتها الوطنية، وأشرف الوالي على افتتاح فعاليات الاحتفالية التي تميزت بتنوع فقراتها بين معارض تقليدية وعروض فنية وتراثية، أعادت إلى الأذهان عمق الذاكرة الشعبية وثراء العادات المرتبطة بـ”يناير”.
وشمل المعرض أجنحة متعددة ضمت الأكلات التقليدية، واللباس العنابي الأصيل، والمنتوجات الحرفية، والمفروشات التقليدية، والفنون التشكيلية، إلى جانب عروض حية في الطبخ وصناعة الفخار، ما أضفى على الحدث طابعا احتفاليا خالصا يعكس ارتباط الجزائريين بهويتهم عبر العصور.
وحظي المطبخ التقليدي باهتمام خاص، من خلال تقديم أطباق “الكسكسي”، و”السفنج”، و”البراج”، و”الرفيس الزيراوي”، إضافة إلى حلويات “الطمينة” و”المقروط”، إلى جانب أنواع مختلفة من المربى والمخللات المنزلية، في تعبير واضح عن مهارة المرأة العنابية ودورها في حفظ التراث الغذائي، كما تضمن المعرض حليا تقليدية وأواني نحاسية وفخارية، ونماذج من الألبسة الصوفية والتحف الفنية والتراثية، إلى جانب منتجات فلاحية كالقمح والشعير والزيتون والزعفران وبعض الأعشاب الطبية، بما يعكس ارتباط الإنسان العنابي بالأرض.
وفي القاعة الكبرى، ألقت مديرة الثقافة لولاية عنابة، صليحة برقوق، كلمة بالمناسبة، أكدت فيها أن الاحتفال برأس السنة الأمازيغية 2976 يشكل محطة ثقافية وطنية ذات رمزية خاصة، باعتبار الأمازيغية رافدا أساسيا من روافد الهوية الجزائرية وعنصرا جامعا لمختلف مكونات المجتمع، مبرزة أن ترسيم “يناير” كعطلة مدفوعة الأجر منذ 12 جانفي 2018 يعكس العناية التي توليها الدولة لهذا الموروث الثقافي العريق.
وأشارت في السياق ذاته إلى أن هذه الاحتفالات السنوية تمثل فرصة لإبراز تنوع التقاليد والعادات المرتبطة بـ”يناير” عبر مختلف مناطق الوطن، كما تحمل في طياتها رسائل تفاؤل بموسم فلاحي أفضل، إلى جانب التعريف بتاريخ الأجندة الأمازيغية الغني وما يختزنه من دلالات حضارية.
كما استعرضت مديرة الثقافة البرنامج الثقافي والفني الذي سطره قطاع الثقافة بولاية عنابة بهذه المناسبة، والذي يمتد من 10 إلى 17 جانفي، ويشمل ورشات تربوية موجهة للناشئة للتعريف بالثقافة الأمازيغية، إلى جانب معارض، حفلات فنية، عروض سينمائية وندوات فكرية، من بينها ندوة للبروفيسور سليمان حاشي مدير المركز الوطني للبحوث في عصور ما قبل التاريخ حول التراث الثقافي اللامادي الجزائري، يوم 17 جانفي الجاري.
وأكدت في ختام كلمتها أهمية تضافر جهود مختلف الفاعلين الثقافيين والجمعيات للحفاظ على هذا الإرث ونقله للأجيال القادمة.
وتواصلت فعاليات الاحتفالية بعرض راقص أمازيغي قدمه أطفال ورشة الرقص بدار الثقافة، تلاه تقديم مداخلة بعنوان “يناير.. تاريخ ووحدة” للأستاذ إسماعيل مرزوق من ولاية البويرة، ثم عرض أزياء للأطفال، قبل أن تختتم التظاهرة بحفل فني من إحياء الفنان صالح غوالي وورشة المنوعات، مصحوبا بعرض “عروس يناير” الذي أبرز جمال اللباس العنابي التقليدي.
وشهدت الاحتفالية تكريم الفائزين الأربعة في مسابقة “أحسن محتوى ثقافي” لورشة فن التدوين وصناعة المحتوى الثقافي، المنظمة من طرف جمعية الشعلة الثقافية لولاية عنابة بإشراف مديرية الثقافة، ويتعلق الأمر بكل من صالحي علي، شاكر غزلان، شايب حسان، وسعادني لامية صفاء، كمل عرفت التظاهرة مشاركة أكثر من 27 عارضا وعارضة من مختلف بلديات الولاية، إلى جانب حضور لافت للأطفال، وسط إقبال كبير للعائلات التي وجدت في المناسبة فرصة لترسيخ قيم الاعتزاز بالموروث الثقافي ونقله إلى الأجيال الصاعدة.
كما احتضنت ساحة الثورة بمدينة عنابة ، البارحة 12 جانفي 2026 الموافق لـ 2976 بالتقويم الأمازيغي، معرضا للصناعات التقليدية بمناسبة رأس السنة الأمازيغية، بتنظيم غرفة الصناعات التقليدية بعنابة بالتعاون ووزارة السياحة والصناعات التقليدية، تحت شعار “هوية ، تاريخ ، تراث”، ويُقام معرض الصناعات التقليدية عادة على مدار السنة بساحة الثورة ، إلا أن هذه الخمسة عشر يوماً المميزة خصصت لتسليط الضوء على كل ما هو أمازيغي، بما في ذلك الأزياء التقليدية، الحلي، والحرف اليدوية الأصيلة.
واحتوى المعرض على أجنحة متنوعة، من بينها جناح للعسل الطبيعي ومنتجات التجميل الطبيعية ، حيث يمكن للزوار التعرف على استخدامها في العناية بالبشرة والشعر بشكل طبيعي.
كما تميز المعرض بأجنحة الحلي الأمازيغية المصنوعة من الفضة والمرجان والتي تعكس عراقة و جمال التراث المادي الجزائري وتنوعه، وشملت أجنحة المعرض اللباس القبائلي التقليدي مع تقديم شرح لكل قطعة، حيث عرضت الجبة القبائلية المطرّزة الطويلة المزينة بخيوط ملونة وأشكال تقليدية، والفوطة الأنيقة التي تلفّ حول الخصر أو الرأس بخطوط ملونة تبرز جمال الزي، إضافة إلى الحزام الملون الذي يربط الجبة ويكمل مظهرها، القردوف الذي يستخدم لفرد الشعر، والوشاح التقليدي الذي يكمل أناقة المرأة القبائلية .
وشهد المعرض، حضور العديد من الزوار من مختلف الأعمار، المهتمين باكتشاف الثقافة الأمازيغية والتعرف على تراثها العريق ومنتجاتها التقليدية، مع تفاعل مباشر مع الحرفيين، ويهدف هذا المعرض إلى تثمين الصناعات التقليدية ودعم الحرفيين المحليين، إضافة إلى تعزيز الهوية الوطنية، كما يشجع على الحفاظ و التعريف بالموروث الثقافي للأجيال الصاعدة.
برنامج ثري بالعروض الفنية في الطارف
وبالطارف، شهدت الولاية أجواء احتفالية مميزة حيث أشرف محمد مزيان والي الولاية على فعاليات هذا الحدث الثقافي الذي أصبح تقليدا راسخا يجسد عمق الانتماء للموروث الأمازيغي، وقد احتضنت المكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية بالطارف برنامجا ثريا بالعروض الفلكلورية والفنية التي قدمتها فرق من ولايات مختلفة، على غرار فرقة الرحابة من خنشلة وفرقة البارود والخيالة من الطارف، مع فقرات فلكلورية من تيزي وزو أضفت على الأجواء نكهة تراثية مميزة.
وخصصت للأطفال قعدة تراثية مع حكواتي يروي الأساطير الأمازيغية، إلى جانب ورشات للفنون التشكيلية وتعليم الحروف والأرقام والرموز الأمازيغية بطريقة تفاعلية.كما احتضنت أروقة المكتبة معارض للحرف التقليدية شملت الحلي والمرجان والفضة والفخار والحلويات التقليدية، إضافة إلى منتجات محلية مثل العسل والصابون والزيوت الطبيعية.
وتم كذلك عرض مجموعة من الكتب باللغة الأمازيغية من رصيد المكتبة، وإطلاق مسابقات ثقافية وتراثية في الطبخ التقليدي واللباس التقليدي للأطفال والكتابة بالأمازيغية، مع تكريم الفائزين والمتفوقين في مختلف المنافسات، بما فيها مسابقة تحدي القراءة الصيفي.
أما المحطة الثانية للاحتفالات فاحتضنها الملعب البلدي عبيدات الصادق، حيث تضمن البرنامج فقرات تمثيلية تجسد عادات المجتمع الأمازيغي ومسابقات في الأكلات التقليدية، إضافة إلى وصلات غنائية وعروض للباس الأمازيغي التقليدي في أجواء احتفالية ،كما شهدت مختلف المؤسسات التربوية و دور الشباب تنظيم نشاطات متنوعة بذات المناسبة وبهذا التنظيم المتنوع، أكدت ولاية الطارف استمرارها في صون التراث الأمازيغي وترسيخ قيم الهوية الوطنية .
عروض ومعارض تبرز ثراء وتنوع وأصالة موروثنا الثقافي بقالمة
وبقالمة أحيت السلطات أمس السنة الأمازيغية الجديدة، في احتفالية كبيرة بدار الثقافة والفنون عبد المجيد الشافعي، حيث أشرف الولاية سمير شيباني على المناسبة التي انطلقت بتقديم عروض فلكلورية ببهو دار الثقافة لتليها أغنية ترحيبية باللغة الإيطالية من أداء تلاميذ المدارس بمناسبة ينّاير، ليزور بعدها الوالي معرضا متنوعا للفنون التقليدية تضمن اللباس التقليدي والحليّ بالإضافة إلى الأواني التقليدية المستعملة في طهي مختلف الأطباق الشعبية التقليدية، الأواني الفخارية والوسائل الفلاحية،حيث لخص المعرض ثراء وتنوع وأصالة موروثنا الثقافي الذي يبقى مميزا ومتنوعا،كما أبان المعرض المنظم بالمناسبة على توارث الأجيال عبر الزمن مع الموروث التقليدي الثري جدا والذي لا يمكن التفريط فيه نظرا لأهميته كرمز للثقافة والهوية.
وشهدت المناسبة أيضا تنظيم مسابقة لأحسن طبق تقليدي ورسم أجمل حلي تقليدية وورشات حية وجناح خاص للتعريف بالتخصصات المتوفرة على مستوى مراكز التكوين المهني والمتعلقة بالصناعات التقليدية إضافة إلى فتح نقطة تسجيل لدورة فيفري من أجل استقطاب عدد أكبر فئات المجتمع المختلفة للحصول على شهادة في مجال الصناعة التقليدية حرصا على استمراريتها وإحيائها لدى الأجيال، كما تضمنت أيضا مداخلات لمختصين في التاريخ والتراث الأمازيغي وكذا عرضا مميزا للباس التقليدي ومحاكاة لعرس تقليدي في الشرق الجزائري، مع إلقاءات شعرية في الشعر الشعبي وتسليم لبطاقات فنان على فنانين أبدعوا في التراث التقليدي وحفلا فنيا في الطبوع التقليدية لاسيما الشاوي والقبائلي.
أجواء مميزة في قسنطينة
وبقسنطينة، أشرف الوالي عبد الخالق صيودة، مساء يوم الأحد على انطلاق البرنامج الرسمي للاحتفال بحلول رأس السنة الأمازيغية “يناير”، الموافق لـ12 جانفي من كل عام، وذلك من المسرح الجهوي محمد الطاهر الفرقاني، في إطار برنامج متنوع سطرته مصالح الولاية عبر عدد من المؤسسات الثقافية والتربوية.
وحظي الوالي والوفد المرافق له باستقبال رسمي ببهو المسرح، أشرف عليه فوج الاستقامة للكشافة الإسلامية الجزائرية، رفقة فرقة “الفانتازيا” و”القارابيلا”، ليفتتح الحفل بتلاوة آيات بينات من الذكر الحكيم، أعقبها الاستماع إلى النشيد الوطني.
وفي كلمته الترحيبية، أكد رئيس جمعية الهدى الإباضية، الحاج مسعود الواهج، أن الاحتفاء برأس السنة الأمازيغية “يناير” يعد عادة متجذرة في هوية الجزائريين ودليلا على الارتباط بالأرض والتاريخ، داعيا إلى مواصلة العمل المشترك وتعزيز قيم الوحدة والتآخي بين مختلف مكونات المجتمع. كما ثمن إشراف والي الولاية على هذه الاحتفالية، معتبرا أن ذلك يضفي عليها سنويا بعدا خاصا يعكس الاهتمام الرسمي والشعبي بترقية الهوية الوطنية بمختلف روافدها وترسيخ التماسك المجتمعي.
وشهدت المناسبة تقديم محاضرة علمية ألقاها الدكتور عبد العزيز فيلالي، رئيس مؤسسة الشيخ عبد الحميد بن باديس، تطرق فيها إلى إسهامات العلامة عبد الحميد بن باديس في الحفاظ على الهوية الوطنية، من خلال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي شكّلت، حسبه، فضاءً جامعاً لمختلف أطياف المجتمع الجزائري بتنوعه الثقافي.
وتخلل الحفل تقديم تكريمات شرفية، كان في مقدمتها تكريم والي ولاية قسنطينة تقديرا لمجهوداته في دعم التنمية المحلية، إلى جانب فقرات فنية وثقافية متنوعة، شملت وصلات إنشادية من أداء فرقة “صوت الهزار”، وعرضا مسرحيا لفرقة “قناديل الركح”، إضافة إلى استعراض فلكلوري وأهازيج من التراث الميزابي، عكست ثراء الموروث الثقافي الوطني وتنوعه.
وتأتي هذه الاحتفالات تأكيدا على حرص السلطات على إحياء المناسبات الوطنية ذات البعد التاريخي والثقافي، وتعزيز قيم الانتماء والهوية، بما ينسجم مع الرؤية الرامية إلى صون الذاكرة الوطنية وترقية الثقافة الجزائرية بكل مكوناتها.
