أوراق الخميس: بقلم الدكتور: السبتي سلطاني
عندما تريد الكتابة عن شاعرة بونة نادية نواصر ينبغي أن تستحضر عالماسحريا من الجمال الذي تنثره الشاعرة حيثما حلت وارتحلت، تكتب نادية بملء ما في قلبها من محبة باذخة بعيدا عن كل تلون أو نفاق، هي تكتب بمداد الحب الذي لا ينضب، تكتب للحياة وللجمال وللحب كما تكتب للألم وللحزن الدفين.
عندما تُسَائِل محركات البحث ومختلف تطبيقات الذكاء الاصطناعي عن شاعرة بونة تجمع كلها على أنّ الراهبة لم تبق في ديرها الحزين بعدما احتمت به لسنوات عجاف تقتات على محبة أبنائها الذين تفرغت لتربيتهم والاهتمام بشؤونهم بعدما غادرها رفيق دربها إلى دار البقاء، ثم ها هي تعود بكل عنفوان المحبة وبكل طاقات الإبداع المتفجرة في أعماقها لتقول أنّ الذهب لا يصدأ، وأنّ ينبوع الشعر ما زال يتدفق رقراقا كالماء العذب الزلال.
نادية نواصر أصيلة مدينة شطايبي الرائعة الرابضة على ضفاف بحيرة المتوسط في ضفتها الجنوبية، مدينة تسحر الألباب، وتفجر في الشاعر ينبوع الإبداع، وخليجها الغربي الذي يعانق خضرة جبالها وزرقة سمائها يكاد ينطق كما الربيع الطلق الذي كاد من الحسن أن يتكلم عند شاعر الطبيعة العباسي الوليد بن عبيد بن يحيى التنوخي الطائي الملقب بالبحتري، في هذه البيئة الغناء كانت نادية وكان الإبداع، وهي الأنثى اللاجئة إلى أعشاب البحر التي لم تكن عند نادية مجرد وليمة بل كانت الأنثى التي تكتب الشعر بدمها وتغني للحب بأنفاسها تقول:
أنا اللاجئة إلى أعشاب صدري
والمتوارية في غياهب الحياة
أنا الأنثى التي تحمل الأرض في رحمها
وتنثر الورود على جباه الرجال
أنا الأنثى التي تكتب الشعر بدمها
وتغني الحب بأنفاسها
تنظر نادية نواصر إلى الرجل نظرة ملؤها حنو البنت على أبيها واحترام الزوجة لزوجها وتعظيم البنت لصورة أبيها، الرجل بالنسبة لنادية من خلال شعرها هو ذلك الذي نأوي إليه ساعة الوجد والضعف والوهن، إنه ذلك البناء الشامخ الذي يحتوينا عندما تدلهم بنا الخطوب وتهدنا أعاصير الزمن، ولا عجب في ذلك عند شاعرة ترى في أبيه قرة عينها نموذجا للرجل الرجل، للرجل الذي لا تهزمه عاديات الزمن رغم الجراح ورغم قساوة الزمن، لذلك ترى نادية في كل رجل ترسمه بريشتها الإبداعية صورة لهذا الأب الرائع، تقول:
أنت الذي تملأ قلبي بالنور
وتجعل من عينيك شمسي وقمري
أنت الذي تسكن في أعماقي
وتجول في أروقة أفكاري
أنت الذي تلامس شفتي بقبلة
وتهمس في أذني بكلمة
أنت الذي تحتضنني بحنان
وتدفئني بحرارة
أنت الذي تشعل فيّ النار
وترويني بالماء
إنّ المسار الإبداع للشاعرة نادية نواصر مسار حافل صنعته بجدها وتعبها المضني، بدأته في نهاية سبعينيات وبداية ثمانينيات القرن الماضي بدعم أكيد من أبيها الذي وقف إلى جانبها في جميع محطات حياتها، بل كان حاديها الذي يقود قافلة الإبداع لديه باتجاه مرافئ الأمن والأمان، ثم ما فتئت أن دخلت بياتا شتويا اختياريا تفرغت فيها إلى رسالة عظيمة أتمتها على أكمل وجه، ثم عادت إلى الساحة الأدبية محملة بعزيمة ابنة العشرين، تكتب الشعر وتشارك في كل المحطات الثقافية التي تقام هنا وهناك في عنابة وفي غير عنابة، وما فتئت أن أسست ناديا ثقافيا وسمته بصالون نادية الذي مرّ عليه الكثير من الضيوف من كبار الكتاب والأدباء والناقدينالجزائريين، فكانت نادية حريصة كل الحرص على إنجاح كل طبعة من طبعات هذا الصالون الذي شكل نقطة ضوء لامعة في سماء الثقافة الجزائرية في فترة ما.
عادت نادية إلى الساحة الثقافية وكلها عزم على استدراك ما فات، فانفجر ينبوع الإبداع عندها بشكل كبير ما جعلها تنشر ما يناهز عشرين مؤلفا بين دواوين شعرية وكتابات نقدية.
كتب عنها البروفيسور الصديق علاوة كوسة قائلا: ” عن الحزن العظيم!! الذي هم في تأويله يختلفون!!عن سرّها وقد عاشت بين القصائد (راهبة في ديرها الحزين)!! وسيعلمون أنها (امرأة المسافات) الطويلة الشاقة!! حيث (أوجاع) الروح تائهة في (زمن بلا ذاكرة)!! ممتطيةً (صهوات الريح)!! وأسياف أشعارها قد ضاقت بأغمادها!! معترفةً وقد قُدّت قمصانُها من كل الجهات: (أنا اللاجئة الي أعشاب صدرك)!! فحدّثته إذْ غلّقت عليه أوردتَها(حديثَ زليخة) !!فتراقصت أرواح العشاق على (صدى الموال) الزليخيّسنين عددا!! ورفعتْ كل ذات حِمل حِملَها في ديرها الحزين فنذرت له (المشيَ في محرابه) حتى أتاها اليقين!! ولمّا أن جمع الشعرُ الغاوين إلى يوم معلوم؛ وبعث القلبُ في مدائن الحرف حاشرين.. قامت في الناس موحّدةً في العشق فقالت:(لبونة صهد القلب) !!!ونطقت الطفلة في مهدها مبرّئة عصرَها:(لهالة يغني الصباح)!!!
أليس من حقنا أن تملأ الندية أمسياتنا غناءً وشعرا!! ومن حظنا أن نَشهد تراتيلَ راهبة ظلت حدائقَ غنّاءَ معلقةً على ستائر البيت الشعري الجزائري والعربي لعقود!! وظل القراءُ والمهتمون سعاةً صفاةً رواةً للأجيال عن شاعرة بونة!! إذ رموا أقلامَهم وأسماعَهم؛ من يكفل هذا القلب الشاعرَ الثائرَ الحائرَ الندي!؟“
ختاما كانت نادية وستظل دوحة وارفة الظلال في سماء الإبداع الجزائري، حالمة بغد جميل يرفل فيه أبناء هذا الوطن السعيد بكل معاني الحب والسعادة الأبدية، هذه هي نادية نواصر الشاعرة المبدعة… سلام.
