ارتبط بالمقاومة الجزائرية.. “البرنوس” رمز للشهامة والأصالة

يعد البرنوس رمزًا ثقافيًا يجسد أصالة المجتمع الجزائري، إذ يتمتع بمكانة مرموقة ويرتديه كل من الرجال والنساء.

ويتميز بتصميمه الفضفاض الذي يغطي الجسد من الكتفين حتى القدمين، دون أكمام، مع قلنسوة مدمجة تمنحه طابعًا مميزًا، ويصنع غالبًا من وبر الإبل أو صوف الأغنام، ما يمنحه الدفء والجودة العالية.

تاريخيًا ارتبط البرنوس بالمقاومة الجزائرية، ليصبح بعد الاستقلال رمزًا وطنيًا يعكس الفخر والهوية، ورغم كونه لباسا رجاليا في المقام الأول، إلا أن المرأة الجزائرية ترتديه أيضًا في مناسبات خاصة عند خروجها عروسا من بيت والدها، حيث يوضع البرنوس على كتفيها مطرزًا عند الجوانب بالخيوط أو الزخارف، وتغطي به رأسها أثناء الموكب حفاظًا على خصوصيتها.

ويعد البرنوس أحد رموز الثقافة الشعبية في الجزائر، إذ جاء في كتاب “المرأة” لحمدان الخوجة سنة 1830م أن مدينة معسكر اشتهرت بصناعة البرنوس الجزائري الأسود المعروف بـ”البرنوس المعسكري”، أو كما يسمى “الخيدوس”.

ويُصنع هذا النوع من الصوف أو وبر الجمال، ويعرف أيضا باسم “الزغداني”، نظرًا لسواده الشديد، وقد كانت مدينة معسكر تصدر هذا البرنوس إلى دول مثل مصر وتركيا.

وللبرنوس عدة أنواع، فهناك البرنوس الوبري الذي يصنع من وبر الجمال ويعد الأغلى والأكثر فخامة، وغالبًا ما يهدى إلى الشخصيات المرموقة والزعماء.

البرنوس الأشعل المصنوع من الصوف الخالص، وهو الأكثر انتشارًا بين قبائل الجزائر، ويتميز بلونه الذهبي أو البني، والبرنوس الأبيض الذي يلبس تحته البرنوس الأشعل في فصول البرد، ويستخدم بشكل خاص في مناسبات الفروسية والاحتفالات، حيث تختلف ألوان البرنوس على حسب مناطق الجزائر، فإذا كان في بلاد القبائل باللون الأبيض وفي بلاد الشاوية أسود فنجده في الصحراء بلون بني.

كما قد يرتديه الرجل الأبيض يوم زفافه وفي الشتاء لمقاومته البرد، لكن بالألوان الأخرى مثل الأسود والبني.

وارتبط البرنوس بالعديد من الشخصيات التاريخية الجزائرية على غرار الأمير عبد القادر والشيخ بوعمامة، كما ارتداه الأئمة والمشايخ، ومنهم رئيس جمعية العلماء المسلمين عبد الحميد بن باديس ونائبه البشير الإبراهيمي، وكانت الثائرة لالة فاطمة نسومر واحدة من اللواتي اشتهرن بارتدائه، وتشير بعض المصادر التاريخية إلى أن جذور “البرنوس” قد تعود إلى فترة الممالك النوميدية في القرن الثالث قبل الميلاد، حيث كان البرنوس جزءًا أساسيًا من اللباس اليومي لسكان المنطقة، يرتدى من قبل الرجال والنساء على حد سواء لحمايتهم من الظروف المناخية القاسية.

وقد نسبت الباحثة الجزائرية، فايزة رياش،بدايات البرنوس إلى عهد مملكتي “الماسيل” و”الماسيسي” إبان فترة الاحتلال الروماني لشمال إفريقيا في القرن الأول قبل الميلاد، أما عالم الاجتماع عبد الرحمن بن خلدون فقد أطلق على البربر تسمية “أصحاب البرانس”، وذكره في كتابه “ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر” هذا اللباس التقليدي، فقال إن “حدود بلاد البربر تبتدئ حيث الرجال يرتدون البرنوس، وتنتهي حيث الناس لا يأكلون الكسكسي”.

وخلال حقبة الاحتلال الفرنسي للجزائر، لم يكن البرنوس مجرد لباس تقليدي يرتدى للوقاية من البرد أو كرمز اجتماعي، بل تحول إلى أداة مقاومة فعالة استخدمها المجاهدون بذكاء في معركتهم ضد المستعمر، حيث وفر تصميمه الفضفاض فرصة مثالية لإخفاء الأسلحة والمناشير السرية، مما مكن الثوار من نقل العتاد والرسائل دون إثارة الشبهات، فقد كان البرنوس أكثر من مجرد قطعة قماش،وأصبح اليوم رمزًا متجذرًا في ثقافة النضال، يعكس روح المقاومة والصمود التي ميزت الشعب الجزائري في نضاله من أجل الحرية،وبقي هذا الزي التقليدي حاضرًا في الذاكرة الجماعية للأجيال، ليس فقط كجزء من التراث الوطني، بل أيضًا كتذكير بقوة الإرادة والتحدي التي واجه بها الجزائريون محاولات الطمس والهيمنة الاستعمارية.

ورغم موجات العصرنة، لا يزال البرنوس يحظى بمكانة متميزة في المجتمع الجزائري، حيث يرتدى في المناسبات الوطنية والدينية، ويعتبر جزءًا من الهوية الثقافية للبلاد، كما يحرص المسؤولون على تقديمه هدية ثمينة لضيوف الجزائر من رؤساء وملوك، تقديرًا لمكانته التراثية العريقة، فهو ليس مجرد لباس، بل إرث حضاري يجسد عبق التاريخ وامتداد الثقافة الجزائرية عبر العصور.

ملاك زموري

مقالات ذات صلة

50 سائحا صربيا يكتشفون هيبون

sarih_eco_cult

الدورة التاسعة لمهرجان أدب وسينما المرأة بسعيدة تحمل اسم الفنانة بيونة

sarih_eco_cult

بعد سنوات من الإهمال.. تدابير استعجالية لترميم المدينة القديمة بعنابة

sarih_eco_cult