لم يكن العرض الشرفي لفيلم “خيخون 1982” ضمن مهرجان عنابة للفيلم المتوسطي مجرد استعادة لحدث رياضي عابر، بل كان تجسيداً لقدرة السينما على التحول إلى “سلطة تصحيحية” تمتلك الأدوات لترميم الذاكرة. ففي القاعة الكبرى للمسرح الجهوي “عز الدين مجوبي”، لم يشاهد الجمهور مجرد فيلم وثائقي، بل حضروا محاكمة تاريخية سينمائية أعادت ترتيب الحقائق التي شوهتها المصالح والحسابات الضيقة فوق عشب مدينة خيخون الإسبانية قبل عقود.
يرتقي المخرج سامي فاعور بالعمل من مجرد سرد رياضي إلى مستوى التحقيق الاستقصائي الذي يبحث في مفهوم العدالة الغائبة. فبينما يكتب المؤرخون التاريخ بالكلمات، اختار فاعور أن يكتبه بالكاميرا، موظفاً “الدراما الوثائقية” لكشف كواليس المؤامرة التي حيكت ضد المنتخب الجزائري. السينما هنا لا توثق المباراة كحدث رياضي فحسب، بل تقدمها كوثيقة إدانة ضد “تواطؤ” مفضوح غيّر مجرى القوانين الكروية العالمية للأبد، محولةً “مباراة العار” إلى مادة سينمائية ترفض النسيان وتنتصر للحق المهضوم.
تتجلى أهمية هذا العمل في قدرته على انتزاع الاعترافات من قلب “الجريمة الرياضية”، حيث يقود الأسطورة رابح ماجر رحلة استقصائية عابرة للحدود، مواجهاً لاعبين من منتخبي ألمانيا والنمسا ممن شاركوا في تلك اللحظة القاسية. هذا التقاطع بين الأرشيف النادر والشهادات الحية يمنح السينما دور “القاضي” الذي يعيد إنصاف الجيل الذهبي للكرة الجزائرية، ويؤكد أن الشاشة قادرة على تصحيح مسار التاريخ عندما يفشل المحللون والسياسيون في إنصاف الضحايا.
وفي المحصلة، يبرهن الفيلم على أن السينما هي الحصن الأخير للهوية والذاكرة الجماعية. فمن خلال رؤية بصرية دقيقة تدمج بين التكوين الفني والالتزام بالقضايا الإنسانية، نجح فاعور في تحويل المظلمة الرياضية إلى رمز للصمود الوطني. إن الحوار الختامي بين ماجر والإعلامية خديجة بن قنة لم يكن مجرد قفلة سينمائية، بل كان إعلاناً صريحاً بأن الذاكرة التي تخلدها الشاشة لا تموت، وأن السينما تظل الوسيلة الأرقى لتحويل الخيبة إلى ملحمة تفتخر بها الأجيال المتعاقبة.
