تبدأ أحداث الفيلم في سكون الليل الذي يكسره صخب رحلة غير متوقعة؛ شاب يقود سيارة شقيقه التي استعارها دون إذن، يحمل في خلفيتها أثراً لحادث طريق مفاجئ، وفي ذهنه صورة فتاة تعرف عليها عبر الفضاء الرقمي “إنستغرام”. هذا الانطلاق السريع يضع المشاهد منذ الدقائق الأولى أمام حالة من التخبط يعيشها بطل القصة “جمال”، الذي يمثل نموذجاً لجيل يبحث عن ذاته في ممرات ضيقة ومعقدة.
بالتوازي مع قصة جمال، يطرح المخرج خطاً سردياً آخر يتمثل في شخصية “السي رشيد”، الكولونيل المتقاعد الذي يعاني من مرض الزهايمر. تضيع بوصلة الرجل المسن حين يتوقف عن تناول دوائه، فيختلط لديه الحاضر بالماضي، وتعود به الذاكرة إلى أيام الكفاح والنضال. هذا التقابل بين شخصية جمال “الشاب العاطل” وشخصية السي رشيد “المجاهد القديم”، يخلق تساؤلاً جوهرياً حول الرابط الذي قد يجمع بين جيلين تفصل بينهما فجوة زمنية وفكرية عميقة.
تتصاعد الأحداث حين يجد جمال نفسه في مواجهة سلسلة من العراقيل أثناء محاولته الوصول إلى وجهته العاطفية. في تلك اللحظة، تتقاطع الطرق ويلتقي البطلان في منطقة جبلية معزولة. هناك، تندمج القصتان بفعل تعارض الرغبات؛ رغبة جمال في تحقيق وجوده الفردي وغريزته المكبوتة، ورغبة السي رشيد في إكمال “ثورته” التي يعتقد أنها لم تنتهِ بعد. هذا الاندماج يقود الفيلم نحو مناطق درامية قاتمة، حيث يجد الثنائي نفسيهما في مواجهة قوى مجهولة في قلب الجبل.
يستخدم الفيلم “الكوميديا السوداء” كأداة نقدية لتصوير المواقف الصعبة، خاصة عندما يتحول جمال من شخص يحاول إثبات “ذكورته” إلى مجرد بيدق في يد جماعات خارجة عن القانون. يطرح المخرج رؤية بصرية مختلفة لمفهوم التشدد، مبتعداً عن القوالب الجاهزة، ليصوره كحالة من الغريزة البدائية والسيطرة المطلقة. في هذا النفق المظلم، يكتشف جمال أن النجاة وحماية الكرامة لا يمكن أن تتحقق بمعزل عن “الخبرة” والشرعية التي يمثلها السي رشيد.
في ختام هذه الرحلة، يلخص الفيلم فلسفة معقدة حول “الخروج من النفق”؛ فالشاب الذي كان يفتقد للمبادئ يجد نفسه مضطراً للاعتماد على ذاكرة الرجل العجوز لتجاوز المحنة. يصور الفيلم في مجمله العلاقة الجدلية بين ماضٍ لا يزال عالقاً في أمجاده القديمة، وحاضر يكافح من أجل رسم معالم هويته وسط ضغوط الحياة والواقع الاجتماعي الصعب، تاركاً للمشاهد مساحة واسعة لتأويل مآلات هذه العلاقة.
