في إحدى العمارات الكولونيالية وسط مدينة عنابة، وبالتحديد العمارة التي يوجد فيها مقر جريدة الصريح بنهج ابن خلدون، يستقبل هذا التمثال رواد المبنى، فما إن تدخل تجده أمامك صالبا ساقيه .. واضعا يده اليمنى على خصره. كأنه يقول: وأخيرا .. وأخيرا وصلت سيدي .. كنت في انتظارك.
تقترب منه شيئا فشيئا والفضول يزيد مع كل درجة رخامية تعتليها، تستهويك ملامحه الأوروبية الناعمة ويدفعك لتتأمل لباسه الذي يشابه لباس الجندي، تلاحظ في أعلى الجسم قبعة مسطحة عريضة الحواف (بيريه/توك)، تظهر مطوية أو مثنية من جانب واحد بشكل مزخرف، مع ثنيات عميقة تشبه القماش المكوَّر. الشعر تحتها طويل ومموّج، ينسدل على الجانبين حتى الكتفين اللذان يتزينان بياقة مكشكشة بارزة تحيط بالرقبة.

تخفض بصرك قليلا لوسط ذلك الجسد النحيف، فتجد ثوبا علويا ضيق نسبياً على الجذع، له حواف مزخرفة عند الخصر وشريط أو حزام يفصل الصدرية عن الجزء السفلي، وهو ما يعرف ب الجاكيت/الصدرية (بورپوان) .. وعند الذراعين نجد الأكمام المنتفخة والواسعة عند الكتف (كم “مبطّن” منفوخ Slashed/puffed sleeve، وفي الجزء السفلي نجد سروالا قصيرا منتفخا (تروس/برنيش – Trunk hose).
تكمل رحلتك في التفاصيل، وتغريك الاكسسوارات .. لتكتشف حزاما أو نطاقا يلتف حول الخصر ليضبط الهندام، وقفازات سميكة تغطي اليدين، وتظهر بوضوح في قبضة اليد .. تخفض بصرك أكثر .. وترى حذاء بسيطا عمليا ينتهي عند الكاحل .. كم هو مهندم، لا يمكن أن يكون جنديا !!

ولعل أهم ما سيشدك له، هو ما يحمله الشاب في يده .. سلاح يبدو أقرب للفأس .. لكن رأسه مدبب .. وذلك غريب بعض الشيء، إنها “الحَرْبة الفأسية” (hallebarde)، سلاح حراس القصور والبلاطات الملكية في أوروبا عصر النهضة (كحرس القصر السويسري الشهير في الفاتيكان مثلاً).
هنا تكتمل الصور .. “غلام يحمل حربة فأسية” يرتدي لباسا يعود لعصر النهضة، لتجد نفسك أمام في استقبال رمز يتجاوز حدود المادة .. “حارس شرفي” في مدخل العمار، رمز يؤدي وظيفتين، الأولى هندسية مادية باعتباره قاعدة للدربزين، وأما الثانية جمالية بفسلفة كولونيالية خالصة تحيل لموروث حضاري غربي يتمثل في عصر النهضة .. كأنهم يريدون القول: في مداخل عماراتنا التي تركناها .. ستستقبلك بدايتنا الحضارية .. وهنا تتقاطع البدايات، بداية زائر مع بداية حضارة، أو ما ادعته !!
