أعلنت مديرية الثقافة والفنون لولاية عنابة، في وثيقة رسمية اليوم ، عن عدم جدوى الاستشارة رقم 2026/01 المنشورة بتاريخ 18 جوان 2026 المتعلقة بالأشغال الإستعجالية لترميم “حصن المعدومين”، أحد المعالم التراثية بالولاية. وجاء في الإعلان أن السبب وراء هذا الفشل هو “عدم تأهل العرض الوحيد طبقا لتعليمات دفتر الشروط”، في إشارة إلى أن متعهدا واحدا فقط هو من تقدم للمنافسة، ولم يستوفِ الشروط التقنية المطلوبة.
هذه النتيجة تطرح تساؤلا جوهريا حول الطريقة التي تم بها الإعلان عن الاستشارة أصلا، وما إذا كانت قنوات الإشهار المعتمدة كافية لإيصالها إلى أكبر عدد ممكن من المتعهدين المؤهلين في مجال الترميم والبناء التراثي.
بمراجعة جملة من نصوص قانون الصفقات العمومية، وتحديدا المرسوم الرئاسي رقم 15-247 المؤرخ في 16 سبتمبر 2015 والمتضمن تنظيم الصفقات العمومية وتفويضات المرفق العام، يتبين أن “الاستشارة” -كإجراء مستعمل في الحالات الاستعجالية أو ضمن الإجراءات المكيّفة- لا تخضع لنفس درجة الإشهار الإلزامي التي يفرضها القانون على “طلب العروض” بصيغته العادية. فبينما يُشترط في طلب العروض نشر واسع في الصحف الوطنية والبوابات الرسمية للصفقات العمومية لضمان أوسع منافسة ممكنة، يكتفي التنظيم بالنسبة للاستشارة بإلزام المصلحة المتعاقدة بالبحث عن “إشهار مناسب” يتناسب مع طبيعة وحجم الصفقة، دون تحديد قناة موحدة أو إلزامية بعينها.
بمعنى آخر: مديرية الثقافة لولاية عنابة لم تكن ملزمة قانونا بنشر الاستشارة رقم 2026/01 في أي جريدة أو موقع إلكتروني متخصص بالصفقات العمومية. غير أن هذا الإعفاء القانوني من الإلزامية لا ينفي مسؤولية المصلحة المتعاقدة عن اختيار وسيلة إشهار تضمن فعليا وصول الإعلان لعدد كافٍ من المهنيين المختصين، خاصة في مجال تقني ضيق نسبيا كترميم المعالم المصنفة.
في ظل هذا الفراغ التنظيمي الذي يترك حرية واسعة للمصلحة المتعاقدة في اختيار قناة الإشهار، يصبح من المشروع طرح السؤال التالي بشكل مباشر على مديرية الثقافة والفنون لولاية عنابة:
ما هي القنوات التي اعتمدتها المديرية فعليا لإشهار الاستشارة رقم 2026/01؟ وهل تم نشرها في أي وسيلة إعلامية أو بوابة إلكترونية متخصصة، إلى جانب الصفحة الرسمية للمديرية على موقع فيسبوك التي يتجاوز عدد متابعيها 32 ألفا و14 متابعا؟
فإذا كان الإشهار قد اقتصر فعليا على لوحة الإعلانات بمقر المديرية وصفحتها الرسمية على فايسبوك -كما يُفهم ضمنيا من الإعلان الأول الذي يحيل المتعهدين المهتمين إلى “سحب دفتر الشروط من مقر مديرية الثقافة لولاية عنابة”- فإن ذلك قد يفسر جزئيا حصر المنافسة في عرض وحيد لم يجتز حتى الفرز التقني. فقاعدة المتعهدين المؤهلين لإنجاز أشغال ترميم تراثي محدودة أصلا على المستوى الوطني، وأي تضييق إضافي في الإشهار يقلص هذه القاعدة أكثر، ويزيد من احتمال تكرار سيناريو “عدم الجدوى” في حال إعادة طرح الاستشارة بنفس الطريقة.
يبقى السؤال الأهم معلقا أمام المعلم التراثي نفسه: كم من الوقت ستتأخر الأشغال الإستعجالية المقررة لحماية “حصن المعدومين”، في انتظار إعادة طرح استشارة جديدة؟ وهل ستراجع المديرية استراتيجية الإشهار هذه المرة لضمان منافسة أوسع، أم ستكتفي بنفس القنوات المحدودة التي ربما تكون وراء فشل المحاولة الأولى؟
