مسرحية “حسناء والوحوش” .. سؤال الأخلاق والأزمة

احتضن المسرح الجهوي “عز الدين مجوبي”، عشية أول أمس، العرض الشرفي لمسرحية “حسناء والوحوش”. والمسرحية مقتبسة عن مونودراما الراحل جمال حمودة، عالجها درامياً الكاتب المسرحي والمخرج هشام بوسهلة، وهي من إخراج وسينوغرافيا كمال رويني، وتمثيل كل من: فاتن قصار، وفاطمة بوشامة، وأمينة بويونس، ومحمد شريف أوديني، وسفيان هميسي.

تبدو المسرحية للوهلة الأولى ذات توجه أيديولوجي نسوي، بداية من شخصياتها، ومروراً بأحداثها، وصولاً إلى خطابها السطحي، لكن البحث في البنية العميقة للمسرحية يكشف لنا عن عمل يقدم مقاربة سياسية تفسيرية لأحداث العشرية السوداء.
فأحداث المسرحية التي تدور داخل “سجن”، لا تكتفي بتقديم المقاربة الكلاسيكية للمرأة المقهورة، بل نرى من خلال شخصية “حسناء” (أداء فاتن قصار) نموذجاً آخر؛ نموذجاً يحمل في ذاته الضحية والجلاد، المتهم والقاضي، المذنب والبريء. حسناء التي سُجنت بتهمة قتل ابنها، أبانت عن شخصية انفصامية، ولعل اللجوء إلى هذا النوع من الشخصيات يمكن أن يُفسَّر من خلال الإجابة عن سؤال: “لماذا قتلت حسناء ابنها؟”. والإجابة عن ذلك موجودة في “اللازمة” التي تكررها حسناء: “دمو في يدي ولا دم الناس في يدو”.. أي أنها قامت بقتله كي تقي الناس من شره “المحتمل”. وهذا الشر المحتمل يعود بالدرجة الأولى إلى هوية الأب، الأب الذي أُشير إليه باعتباره “متطرفاً”.

تطرح شخصية حسناء العديد من الأسئلة الأخلاقية والفلسفية، أسئلة تتشابك لتقدم تساؤلات هامة، وذلك من خلال صوتها الداخلي المتمثل في القاضي (الذي أدى دوره محمد شريف أوديني) من جهة، والمحامي (الذي أدى دوره سفيان هميسي) من جهة أخرى. ومن بين تلك الأسئلة: “هل تزر وازرة وزر أخرى عند الضرورة؟” و”هل الخير يتطلب شراً ضرورياً؟” وإن كان ذلك، فهل يستطيع الإنسان أن يحتمل الشر الضروري؟ إن استلام حسناء للرضيع المريض في نهاية المسرحية، وقدرتها على الاعتناء به يقدمان نوعاً من الإجابة، وهي أن القدرة على تولي زمام الأمور هي “حتمية تاريخية”، ويتجلى ذلك في “تبرير” المحامي الذي يعكس صوت النخبة.

من جهة أخرى، نرى شخصية السجينة “أحلام” (أدت دورها فاطمة بوشامة) التي تمثل الإنسان المتجرد من الأسئلة الوجودية، ويتجلى ذلك بداية من قضيتها (قضية مخدرات)، وصولاً إلى رغباتها المتمثلة في الظفر بالمحامي باعتباره “رجلاً” لا “حلاً”. ولم تقدم شخصية أحلام للمتفرج فسحة كوميدية كسرت فيها الأفق المتوقع للتراجيديا فحسب، بل قدمت أيضاً نموذجاً إنسانياً بهموم بسيطة، وغرائز أبسط، وبأداء ضمن التوازن للمسرحية رفقة الحارسة التي أدت دورها أمينة بويونس.

في مجملها، قدمت المسرحية أداءً محترماً ونماذج إنسانية متنوعة، مع تعدد في مستويات الخطاب واللغة؛ فكان هناك توازن بين اللغة الشعرية التي نطقت بها حسناء، واللغة التقنية التي نطق بها كل من القاضي والمحامي والحارسة، واللغة الشعبية التي نطقت بها أحلام. لكن ما يُؤخذ على اللغة التقنية، خاصة في ما يتعلق بمصطلحات “السجن”، هو وجود خلط بين مصطلحي “الصالة” و”السيلونة”، فضلاً عن غياب الاجتهاد في تأثيث عالم السجن لغوياً.

أما من الجانب السينوغرافي، فقد اعتمد السينوغراف والمخرج على “المسرح الفقير” وتقسيم الفضاء الركحي إلى ثلاثة أثلاث، مع التركيز على الثلثين الأول والثاني وتغييب جزئي للثلث الثالث، دون تناظر، مما أفقد العرض شيئاً من التوازن البصري.
عودة إلى البداية، نرى أن مسرحية “حسناء والوحوش” لم تكتف بتقديم مقاربة نسوية مألوفة، بل جعلت من حسناء معادلاً موضوعياً لتاريخ سياسي معقد، بأسئلة أكثر تعقيداً، ربما أوقعت المسرحية في فخ التبرير بقوة الحتمية، لكن الأهم أنها تسامت على اجترار المقاربة النسوية المألوفة، وتجرأت على طرح أسئلة الأخلاق وعلاقتها بالتاريخ والأزمة.

عبد المالك باباأحمد

مقالات ذات صلة

البرنامج الكامل لتظاهرة “7/7 ثقافتي” بالمكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية عنابة 

sarih_eco_cult

المسرح الوطني الجزائري يكشف عن برنامجه الثقافي لشهر جوان 2026

sarih_eco_cult

عين الدفلى تحتضن الطبعة الأولى من الأيام الوطنية للفيلم القصير للهواة

sarih_eco_cult