هل يكفي أن يقرأ الشاب كتاباً أو يعزف مقطوعة موسيقية كي يبتعد عن طريق الانحراف؟ سؤال قد يبدو للوهلة الأولى أقرب إلى الأمنيات الطيبة منه إلى الحقيقة العلمية، لكن سلسلة من الدراسات والتجارب الميدانية حول العالم تقدّم إجابة أكثر تعقيداً وأكثر إثارة للاهتمام في آن واحد. ففي سجن سينغ سينغ الأمريكي، حيث أطلقت مجموعة من النزلاء عام 1996 برنامجاً مسرحياً بسيطاً تحت اسم “إعادة التأهيل عبر الفنون”، تكشف الأرقام اليوم عن نتيجة يصعب تجاهلها: بينما يعود نحو 43 بالمئة من نزلاء ولاية نيويورك إلى السجن خلال سنوات قليلة من الإفراج عنهم، لا تتجاوز هذه النسبة 5 بالمئة بين من واظبوا على المسرح والرقص والكتابة الإبداعية داخل الزنازين. وفي فنزويلا، حيث ولد برنامج “إل سيستيما” الموسيقي من حديقة سيارات مهجورة قبل خمسين عاماً، أثبتت دراسة عشوائية محكّمة شملت آلاف الأطفال أن عاماً واحداً فقط من التدريب الموسيقي الجماعي يكفي لتحسين ضبط النفس وخفض السلوك العدواني، خصوصاً لدى الأطفال الأكثر عرضة للعنف والتهميش.
هذه الأمثلة، وغيرها كثير تقول إن هناك علاقة قابلة للقياس بين الانخراط الثقافي والفني من جهة، وتراجع بعض مظاهر الانحراف والعنف من جهة أخرى. فدراسة موسّعة تتبعت أكثر من 25 ألف مراهق أمريكي عبر سنوات طويلة وجدت أن المشاركة المستمرة في الأنشطة الفنية ترتبط بانخفاض ملموس في السرقة والتخريب والتغيب المدرسي والعنف المدرسي. وفي المقابل، أظهرت أبحاث أخرى أن التعليم داخل المؤسسات العقابية، سواء كان أكاديمياً أو فنياً، يخفض احتمال العودة إلى الجريمة بما يقارب النصف، وأن كل دولار يُستثمر فيه يوفر أضعافه من تكاليف الحبس اللاحقة.
بين هذه الشواهد العالمية والواقع الجزائري، يأتي هذا الملف ليطرح السؤال من زوايا متعددة: من منظور القانون الجنائي وعلم الإجرام، يفتح الدكتور ساكر عبد السلام، الأستاذ المحاضر بجامعة باجي مختار عنابة، نقاشاً حول حدود المقاربة الثقافية ضمن منظومة وقائية أوسع لا تكتمل من دونها التشريعات والسياسات الأمنية والاجتماعية. ومن زاوية علم النفس العيادي، يشرح البروفيسور عبد الناصر سناني كيف تعمل الأنشطة الثقافية بوصفها “غذاء للجهاز العصبي”، قادرة على تعديل كيمياء الدماغ وتفريغ الطاقة المكبوتة لدى الشباب بطرق آمنة وبناءة. أما الشاعر والناشط الثقافي محمد صالح بن يلغة، فيقدم شهادة ميدانية من قلب التجربة، مستحضراً كيف يمكن لرواية واحدة، مثل “الجريمة والعقاب” لدوستويفسكي، أن تصبح مرآة تعيد للإنسان وعيه بذاته قبل فوات الأوان. وأخيراً، تكشف تجربة جمعية “الحارة” بتيبازة بوسماعيل، على لسان مؤسسها دادي عبد الرؤوف، الوجه الأكثر تعقيداً للمسألة: فالانخراط في الفضاء الثقافي ليس طريقاً واحداً مضمون النهاية، بل مساراً قد يقود أحياناً إلى التعافي الكامل، وأحياناً أخرى إلى نتائج مختلفة، بحسب طبيعة الحالة ومدى تقبّل الوسط الفني لها.
من خلال هذه الأصوات الأربعة، يحاول هذا الملف أن يجيب، لا بالتنظير المجرد، بل بالدليل العلمي والتجربة الميدانية معاً، عن سؤال طالما شغل الباحثين وصنّاع القرار: أين تقف الثقافة بالضبط في معركة المجتمع ضد الجريمة؟
البروفيسور عبد الناصر سناني، المتخص في علم النفس العيادي والمعالج معرفي سلوكي لـ الصريح:
“الفن يعيد للإنسان ثقته بنفسه ويعزز كرامته”

“عقل الإنسان نبتة، والثقافة هي التربة التي تغذي وعيه وسلوكه”. بهذه العبارة الدالة، يفتح الأستاذ عبد الناصر سناني، أستاذ التعليم العالي المتخصص في علم النفس العيادي والمعالج المعرفي السلوكي، باب النقاش حول واحدة من أعمق العلاقات التي تشغل بال الباحثين في الصحة النفسية: كيف تشكّل الثقافة وعي الإنسان وسلوكه وتوازنه الداخلي؟
في هذا الحوار، يأخذنا الأستاذ سناني في رحلة تحليلية تكشف كيف يمكن للقراءة والمسرح والموسيقى أن تكون متنفساً حقيقياً للشباب في مواجهة ضغوط الحياة اليومية، مستحضراً تجارب عالمية وعربية ملهمة، من “إل سيستيما” في فنزويلا إلى مسرح الحرية في تونس، وصولاً إلى الجهود المبذولة في السجون والمؤسسات الإصلاحية الجزائرية لإعادة تأهيل من أخطأ عبر الفن والإبداع. كما يستعرض واقع الدور الوقائي للثقافة في الجزائر وتطلعاته المستقبلية، ليختم برسالة موجهة إلى الأسرة والمدرسة وصناع القرار حول أهمية الاستثمار في وجدان الأجيال.
س1: كيف تنظرون سيكولوجياً للعلاقة بين الثقافة والصحة النفسية وتأثيرها في السلوك؟
“عقل الإنسان نبتة، والثقافة هي التربة التي تغذي وعيه وسلوكه”.
في علم النفس، الثقافة هي الإطار الذي يمنح للإنسان معنى لوجوده ويضبط انفعالاته. على سبيل المثال، في ثقافتنا العربية والمغاربية، يلعب التكامل بين “الوازع الروحي” و”قيم التكافل الاجتماعي” دوراً أساسياً في بناء ما نسميه “الصلابة النفسية”، حيث تعمل هذه القيم كشبكة أمان تحمي الفرد من العزلة وتوجه سلوكه نحو الإيجابية والسلام. الثقافة بوصلة خفية تمنح الإنسان التوازن والاطمئنان. ما يُعتبر طبيعياً في مونتريال قد يُقرأ انحرافاً في عنابة. الثقافة ليست خلفية للمرض، هي جزء من تشخيصه وعلاجه.
س2: أمام الضغوط اليومية للشباب، هل يمكن للثقافة أن تكون متنفساً لهم؟
“الشباب طاقة متوقدة.. والثقافة هي القناة الآمنة لاستثمارها”.
الضغوط اليومية تولد طاقة مكبوتة، وعلم النفس يؤكد أن أفضل طريقة للتعامل معها هي “التسامي” (Sublimation)، أي تحويل هذه الطاقة إلى إبداع. عالمياً، أثبتت تجربة “إل سيستيما El Sistema” في فنزويلا نجاحها الباهر في احتضان طاقات الشباب عبر تدريبهم على الموسيقى الجماعية. وفي سياقنا الجزائري، نجد أن الممارسات الثقافية الفاعلة—مثل مسرح الهواة، النوادي الأدبية، والفنون التعبيرية والإيقاعية ذات الطابع الروحي والتنفيسي—تعمل كـ”حاضنة نفسية” حقيقية؛ فهي تمتص قلق الشباب، وتمنحهم صوتاً ومساحة آمنة لإثبات الذات، وتحول طاقاتهم الحيوية إلى إبداع مجتمعي بناء يحميهم من الفراغ والانحراف.
س3: هل القراءة، المسرح، والموسيقى تخفف حقاً من حدة الغضب والتوتر؟
“هي غذاء للجهاز العصبي تتزين بمرجعية أخلاقية”.
هذه الأنشطة تعدل كيمياء الدماغ بشكل مباشر؛ فالقراءة تنمي مهارة “التعاطف وفهم الآخر”، والموسيقى تخفض هرمون التوتر. أما المسرح، فيعمل كأداة “تفريغ انفعالي”؛ حيث يجد الشاب على الخشبة مساحة آمنة للتعبير عن مشاعره وصراعاته الداخلية بشكل فني، مما يذيب التوتر، خاصة عندما يتكامل هذا الفن مع منظومة أخلاقية ودينية تدعو إلى الحلم والتسامح والتحكم في الذات.
والتجارب العالمية في هذا المجال كثيرة، منها: برنامج مسرح ميمي الذي استمر 24 جلسة بواقع 3 مرات في الأسبوع، وخفّض السلوك العدواني لدى أطفال بين 9 و12 سنة، حيث “تحولت الدوافع الهدامة إلى بناءة”. وفي تونس، يشير المخرج كريم المناعي، صاحب فرقة سجن السرس، إلى أن “مسرح السجون أظهرت قدرة هائلة على إعادة الإدماج”. أما في لبنان، فقد نجحت جمعية مارش بطرابلس في تحويل مقاتلين سابقين من جبل محسن وباب التبانة إلى ممثلين في عمل بعنوان “حب وحرب على السطح”، بعد ستة أشهر فقط من المسرح الارتجالي، إذ إن “التمثيل ليس تمثيلاً، هو إعادة تدريب للدماغ على التعبير بلا عنف”.
س4: هل الثقافة قادرة على تأهيل من أخطأ أو وقع في الجريمة؟
“الفن يعيد للإنسان ثقته بنفسه ويعزز كرامته”.
الثقافة وحدها ليست عصا سحرية، لكنها “البوابة الأولى” لإعادة التأهيل. السجين غالباً يُعرّف برقمه وجريمته، مما يدمّر نفسيته. وعندما يُمثل أو يعزف، نغيّر “السرد الذاتي” له؛ يصبح إنساناً يُصفق له الجمهور. هذا يعيد له كرامته وإنسانيته، مما يجعله مستعداً نفسياً لقبول العلاج النفسي والتدريب المهني اللازمين لعدم العودة للجريمة. الثقافة تفتح الباب، وباقي التدخلات تمنع إغلاقه.
في هذا السياق، تبرز التجربة التونسية الرائدة في “مسرح الحرية” داخل المؤسسات الإصلاحية، حيث يتدرب المودعون على الأعمال المسرحية ويعرضونها في مهرجانات وطنية، مما أثبت فعاليته الكبيرة في إعادة اندماجهم الإيجابي في المجتمع. وفي الجزائر، تبذل إدارة السجون والإصلاح جهوداً معتبرة ومثمنة من خلال إدماج البرامج التعليمية، وفتح ورشات الرسم والتكوين الحرفي، وتنظيم مسابقات وطنية في حفظ القرآن الكريم والفنون المسرحية، وهو ما يمثل خطوات عملية ناجحة لتحويل فترة العقوبة إلى فرصة حقيقية للتعافي وإعادة البناء النفسي.
س5: في الجزائر، كيف ترون واقع الدور الوقائي للثقافة؟ وما هي التطلعات؟
“الجهود موجودة ومثمرة، والتطلع هو الانتقال نحو التكامل المؤسسي الدائم”.
تشهد الجزائر جهوداً ملموسة ومتزايدة عبر إعادة تنشيط “دور الشباب”، وتنظيم القوافل الثقافية نحو مناطق الظل والجنوب، ودعم النوادي المدرسية ومهرجانات القراءة. والتطلع اليوم هو تعزيز التنسيق الدائم بين قطاعات الثقافة والتربية والصحة، وتطوير تخصص “العلاج بالفن”، لتصبح الممارسة الثقافية عادة يومية وبنية تحتية وقائية في كل حي، على غرار تجارب عالمية ناجحة جعلت من المراكز والمكتبات الثقافية قلاعاً للأمان المجتمعي.
س6: ما هي رسالتكم الختامية للأسرة ومؤسسات التنشئة وصناع القرار؟
“الاستثمار في الوجدان هو الضمان الأقوى لمستقبل الأجيال”.
للأسرة: ابنكم الذي يقرأ، أو يمارس شغفاً فنياً، أو يرتبط بقيمه الروحية، يتلقى “لقاحاً نفسياً” يحميه ويقوي شخصيته.
للمدارس: استمروا في جعل الأنشطة الفنية والرياضية والإرشاد النفسي جزءاً أصيلاً من الحياة المدرسية، فالتربية بناء للروح والعقل معاً.
لصناع القرار: كل استثمار في مكتبة، أو مسرح، أو فضاء شبابي، هو استثمار مباشر في أمن واستقرار المجتمع؛ فالأمة التي تُشبع طاقات شبابها بالمعرفة والجمال والقيم، تبني أجيالاً متزنة ومصانَة.
الشاعر والناشط الثقافي محمد صالح بن يلغة لـ الصريح:
الثقافة صمام أمان من الجريمة

من رحم التجربة الميدانية، وليس من أبراج النظرية، يتحدث الشاعر والناشط الثقافي محمد صالح بن يلغة، رئيس جمعية الضاد للنشاط الشبابي بعنابة، عن علاقة الثقافة بالجريمة. فالجمعية التي يقودها لا تكتفي بتنظيم القراءات الشعرية والندوات الأدبية في الفضاءات المفتوحة، بل تنقل هذا الزاد الثقافي إلى داخل أسوار المؤسسات العقابية، حيث يلتقي الشعر والأدب بالنزلاء في محاولة لإنارة دروب جديدة أمامهم.
في هذا التصريح، يقدم بن يلغة قراءة عميقة لعلاقة السجين ببيئته وأفكاره وأصدقائه، مستحضراً رائعة الكاتب الروسي دوستويفسكي “الجريمة والعقاب” كنموذج أدبي يكشف كيف يمكن للقصة أن تكون مرآة تعيد للإنسان وعيه بذاته قبل فوات الأوان، وصولاً إلى رؤيته لدور الثقافة كضرورة حيوية لا تقل أهمية عن الطعام والشراب.
يقول بن يلغة في حديثه لـ الصريح: السجين هو حبيس بيئة وأفكار وأصدقاء، بمعنى أن البيئة تخلق الجرائم والمجرمين، ومتى تغيرت البيئة وتغير الأصدقاء، وعاش الإنسان مع الأفكار السوية، والفكر والثقافة، يمكن لهذا الأخير أن يتغير نحو الصلاح والخير والفضيلة.
ويتبع أن أن المجرمين يعيشون فقراً في الثقافة والفكر، سواء الثقافة الدينية أو التاريخية أو الإصلاحية. فرب فكرة أو حكمة أو حديث أو تجربة قد تغيّر الكثير، وتنير الطريق، وتختصر تجربة الإنسان قبل أن يغرق في الفساد والإجرام. كذلك رب قصيدة أو قصة أو رواية تفتح العقول، وتزود الناس بالحكمة والرصانة والسلوك القويم.
فمن يقرأ مثلاً أو يسمع لقصة “الجريمة والعقاب” للروائي الكبير دوستويفسكي، يدرك أهمية القصة الروائية في معالجة الكثير من المشاكل الاجتماعية، وتزويد الناس، خاصة الأقرب إلى الجرائم، بالتجربة والحكمة. فبطل الرواية، الذي يقتل العجوز، يكتشف أنه فقد روحه بعدما ارتكب جريمته، وأن الشيطان أغراه بفكرة أن العجوز طاعنة في السن وبخيلة، وأن التخلص منها سيساعده على مواصلة دراسته، وعلى مساعدة أمه وأخته الفقيرتين، وعلى فعل الخير. لكنه بعد ارتكاب الجريمة دخل في دوامة من الحيرة والخوف، واكتشف أنه بقتلها قد أضاع أغلى ما يملك، وهو روحه وأخلاقه.
كما يشير إلى أن الإنسان، مهما كان، في غياب الثقافة والفكر قد يصبح فريسة سهلة للفساد والضلال والإجرام. لقد أمست الثقافة ضرورة ملحة، مثلها مثل الطعام والشراب، ولذلك كانت أول آية نزلت هي “اقرأ”، وليس “كُل” أو “اشرب” أو “تجوّل”…
وختم بن يغلة أن حواره مع الصريح ألهمه لطرح قصص وتجارب إنسانية على النزلاء والمساجين مستقبلاً، تخدمهم وتكون قبساً ومنارة، كي يدركوا العواقب ويفكروا في النتائج إذا حدّثتهم أنفسهم بالجريمة. فما أحوج السجين أن يتعلم أن الرجولة الحقيقية هي في العمل والعلم والرزق الحلال وبناء أسرة، وليس في الجريمة وقتل الناس وظلمهم والسرقة والفساد.
الفن في مواجهة الإدمان: كيف تحوّل جمعية “الحارة” متعاطي المخدرات إلى فنانين؟

تبرز تجربة جمعية “الحارة” كنموذج مغاير في التعامل مع فئة متعاطي المخدرات، بعيدا عن منطق الإقصاء أو التجاهل. فمؤسس الجمعية، دادي عبد الرؤوف، يكشف في حديث لـ”الصريح” عن مسارات معقدة يعيشها هؤلاء الشباب عند احتكاكهم بالفضاء الثقافي، بين من يجد في المسرح طريقا للتعافي والاندماج الاجتماعي، ومن قد تدفعه صدمة الرفض إلى مزيد من العدوانية. تجربة تكشف أيضا عن ثغرات في تعامل دور الثقافة الرسمية مع هذه الفئة، وتطرح الفن الهاوي كبديل ممكن يعيد لهؤلاء الشباب صورتهم الاجتماعية قبل أن تنتزع منهم نهائيا.
كشف دادي عبد الرؤوف، مؤسس جمعية “الحارة” المهتمة بالمسرح والسينما، عن تفاصيل مهمة حول دور الجمعيات الثقافية في احتواء متعاطي المخدرات وتوجيه طاقاتهم نحو الفن بدل العنف والانحراف، مشيرا في حديثه لـ”الصريح” إلى أن هذه الفئة تنقسم إلى صنفين، الأول يتسم بالميول العدائية، والثاني مسالم لا يتجاوز همه الاستهلاك فقط.
وأوضح المتحدث أن دخول هؤلاء الشباب إلى الجمعيات الثقافية يضعهم أمام ثلاثة مسارات محتملة، فإما أن يقلع الشاب نهائيا عن المخدرات والعدوانية ويتحول إلى فنان، أو يزداد إدمانه مع تراجع عدوانيته، أو تتفاقم عدوانيته إذا تعرض لصدمة في الوسط الفني ولم يجد فيه القبول المطلوب. وشدد رؤوف على أن بعض الجمعيات الثقافية تفتقر إلى منهجية واضحة للتعامل مع مثل هذه الحالات، وهو ما يجعل التعامل معها رهين تجربة كل جمعية وخبرتها الخاصة.
وفي هذا السياق، استعرض محدثنا تجربة جمعية “الحارة” مع حالتين من الفئة المدمنة غير العدائية، سبق لهما الانخراط في جمعية للتنشيط فقط. وروى أن أحدهما كان في البداية يخشى عدم التقبل، معتقدا أن المسرح حكر على النخبة، إلا أنه بعدما اكتشف أن أغلب أعضاء “الحارة” ينحدرون من الأحياء الشعبية، تراجع عن هذه الفكرة واندمج مع المجموعة، ليمارس المسرح رغم بلوغه 31 عاما من العمر. ولفت رؤوف إلى أن هذه التجربة لعبت دورا مهما في تحسين الصورة الاجتماعية لهذا الشاب وسط معارفه، الذين لم يعودوا يرونه مدمنا بل فنانا.
وأكد مؤسس الجمعية أن “الحارة” ليست مجرد فضاء ثقافي، بل ملتقى للشباب أيضا، إذ يجتمع الأعضاء في مقرها بعد انتهاء أوقات العمل أو الدراسة لممارسة نشاطات مختلفة، مع إتاحة المجال باستمرار لفتح النقاش وتطوير الأفكار فيما بينهم.
وانتقد رؤوف في تصريحه واقع دور الثقافة التابعة لوزارة الثقافة والفنون، معتبرا أن نظامها الحالي لا يخدم هذه الفئة بسبب نظام العطل المعمول به، إذ ما إن يألف الشاب فكرة أن دار الثقافة موجودة بجانبه باستمرار، حتى يصطدم بالعطلة الصيفية ويعود إلى الاستهلاك من جديد. ولهذا السبب، يرى محدثنا أن على الجمعيات أن تلعب دورها في احتواء هذه الفئة وتقديم يد العون لها، شريطة الالتزام بمعايير واضحة وعدم الانزلاق نحو العربدة التي قد تزيد من إدمان هؤلاء الشباب بدل معالجته.
وأشار رؤوف أيضا إلى أن الفكرة الأهم في هذا المسار تكمن في ألا يصطدم المنخرطون المحتملون في الجمعيات بفكرة النخبوية، موضحا أن من يصطدم بهذا الحاجز سرعان ما يشعر بأنه أصغر من أن يرتقي إلى الاحتراف. وختم بالتأكيد على أن الجمعيات الهاوية، والمسرح الهاوي، والسينما الهاوية، تمثل فضاء رحبا مفتوحا للجميع دون استثناء.
د.ساكر عبد السلام، محاضر متخصص في القانون الجنائي لـ الصريح:
التقليل من الجريمة يحتاج إلى منظومة متكاملة، تهتم بالجانب الثقافي، والاجتماعي، والاقتصادي، والقانوني

هل يكفي نشر الوعي والثقافة في المجتمع لكبح جماح الجريمة، أم أن المسألة أعقد من ذلك بكثير؟ سؤال يطرح نفسه بإلحاح كلما تعلق الأمر بالبحث عن استراتيجيات ناجعة للوقاية من الانحراف والجريمة، خاصة في ظل التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها المجتمعات، والتي تفرز أشكالاً جديدة من الجرائم إلى جانب الأشكال التقليدية.
في هذا الحوار، يفتح د.ساكر عبد السلام، أستاذ محاضر تخصص القانون الجنائي، جامعة باجي مختار عنابة. محام معتمد لدى المحكمة العليا ومجلس الدولة ، نقاشاً معمقاً حول العلاقة بين الثقافة ومعدلات الجريمة من منظور علم الإجرام، متطرقاً إلى الفئات الأكثر عرضة للانحراف في الجزائر، ودور المشاريع الثقافية في حمايتها، وموقع المقاربة الثقافية ضمن استراتيجيات الدولة الجزائرية للوقاية من الجريمة، وصولاً إلى نجاعة البرامج الثقافية داخل المؤسسات العقابية في الحد من ظاهرة العود إلى الجريمة. كما يسلط الضوء على أهم العوامل التي تدفع الشباب نحو الانحراف، والمكانة التي ينبغي أن تحتلها الثقافة ضمن منظومة متكاملة للوقاية، إلى جانب التشريعات والعقوبات والسياسات الأمنية.
س1: من منظور علم الإجرام، هل توجد علاقة بين انتشار الثقافة في المجتمع وتراجع معدلات الجريمة؟ وكيف يفسر هذا العلم تلك العلاقة؟
في علم الإجرام، لا يمكن الجزم بأن عاملاً واحداً يؤدي إلى زيادة معدلات الجريمة أو تراجعها. فانتشار الثقافة في المجتمع قد يؤدي إلى تراجع صور معينة من الجرائم، لكنه قد يزيد في المقابل من معدلات جرائم أخرى، مثل جرائم الأعمال أو الجرائم الإلكترونية. لذا، فإلى جانب هذا العامل، لا بد من تضافر عوامل أخرى كثيرة لخفض معدلات الجريمة.
س2: ما هي الفئات الأكثر عرضة للانحراف في الجزائر؟ وهل يمكن أن تلعب المشاريع الثقافية دورًا في حمايتها قبل الوقوع في الجريمة؟
للإجابة على هذا السؤال، ينبغي الحصول على إحصائيات من الجهات المختصة، ولا سيما القضاء والمؤسسات العقابية. لكن على العموم، نلاحظ أن نسبة المنحرفين من الرجال أكبر منها لدى النساء، وأن الانحراف يزداد أكثر لدى فئة الشباب. كما تزيد نسبة الانحراف لدى الفئات التي تعاني من ظروف اجتماعية واقتصادية صعبة، كالحرمان والتهميش، وهو ما ينعكس أكثر في بعض الأحياء الشعبية والفوضوية. ومن أبرز الجرائم التي ترتكبها هذه الفئات: حيازة المخدرات أو المؤثرات العقلية بغرض الاستهلاك، وحيازتها بغرض العرض والاتجار، وجرائم العنف، والسرقات.
ومن المؤكد أن المشاريع الثقافية تلعب دوراً في حماية هذه الفئات، مثل برامج التوعية من مخاطر المخدرات والمؤثرات العقلية… لكن هذه المشاريع الثقافية وحدها غير كافية.
س3: في رأيكم، هل تعتمد الجزائر بما يكفي على المقاربة الثقافية ضمن استراتيجيات الوقاية من الجريمة، أم أن التركيز لا يزال منصبًا على الجانب الأمني والعقابي؟
تزاوج الجزائر بين الاستراتيجية الأمنية والعقابية والمقاربة الثقافية، والدليل على ذلك أن مؤسسات الدولة، بمناسبة صدور قوانين جديدة، تبرمج عدة أيام دراسية وتحسيسية، الغرض منها نشر الوعي لدى العامة، وهذه البرامج تعزز الجانب الوقائي بالدرجة الأولى.
س4: ما مدى نجاح البرامج الثقافية داخل المؤسسات العقابية في الحد من العود إلى الجريمة؟ وهل هناك مؤشرات أو تجارب تؤكد فعاليتها؟
تهدف المؤسسات العقابية بالدرجة الأولى إلى إعادة تأهيل المحكوم عليهم وإعادة إدماجهم في المجتمع، والبرامج التكوينية والثقافية داخل المؤسسات العقابية هي أحد أساليب المعاملة العقابية للنزلاء لتحقيق الغرض المشار إليه سابقاً. ويهتم النزلاء كثيراً بهذه البرامج لأنها من الأسباب التي تسمح بتكييف عقوباتهم، مثل استفادتهم من الحرية النصفية (لمزاولة الدراسة)، أو الإفراج المشروط. ومن خلال زيارات ميدانية للمؤسسات العقابية، أكد المسؤولون فيها فعالية البرامج المعتمدة وتأثيرها الإيجابي في شخصيات النزلاء وسلوكاتهم.
س5: من خلال خبرتكم، ما هي أهم العوامل التي تجعل بعض الشباب ينجرفون نحو الجريمة؟ وأين يمكن للثقافة أن تتدخل ضمن هذه العوامل؟
من خلال ما تعلمته من علم الإجرام، وما تؤكده الخبرة المهنية، فإن أهم العوامل هي: نقص المستوى التعليمي والثقافي، والبيئة السكنية، ونوع المخالطة، والحالة الاجتماعية، والاستعداد الإجرامي لدى الشخص. وأؤكد مرة أخرى أن الجريمة ثمرة تضافر عدة عوامل، ويختلف تأثير هذه العوامل من حالة لأخرى.
س6: إذا أردنا الاستثمار في الوقاية من الجريمة على المدى البعيد، ما المكانة التي يجب أن تحتلها الثقافة مقارنة بالتشريعات، والعقوبات، والسياسات الأمنية؟
للوقاية من الجريمة يجب عدم تفضيل أسلوب على آخر، والعمل عليها جميعاً. وما تجدر الإشارة إليه أن التشريعات، ولا سيما العقابية منها، تلعب دوراً وقائياً ممتازاً. فالامتثال للقوانين يكون أفضل إذا كان المخاطبون به على درجة من الوعي والثقافة. ونشر الثقافة لوحدها لا يحول دون وقوع الجريمة إن لم تتدخل التشريعات لوضع الضوابط والتحذير من تسول له نفسه ارتكاب الجرائم بالجزاءات التي تنتظره في حالة المخالفة. فالتقليل من الانحراف والجريمة يحتاج إلى منظومة متكاملة، تهتم بالجانب الثقافي، والاجتماعي، والاقتصادي، والقانوني.
هل الثقافة وحدها تكفي ؟
ما تكشفه هذه الشهادات الأربع، رغم اختلاف زواياها ومشاربها المعرفية، هو إجماع لافت لم يُطلب من أصحابه صراحة: فلا الأستاذ الجامعي المتخصص في القانون الجنائي، ولا الطبيب النفساني، ولا الشاعر، ولا الناشط الميداني، ادّعى أن الثقافة وحدها قادرة على إغلاق ملف الجريمة والانحراف. فحتى أكثر الأمثلة نجاحاً في العالم، من مسرح سجن سينغ سينغ إلى موسيقى “إل سيستيما” في فنزويلا، لم تُصمَّم لتكون بديلاً عن الإصلاح، بل رافعة تعمل بالتوازي معه.
فالثقافة، كما تؤكد هذه التجارب، قادرة على أن تفتح باباً للتعافي، وأن تمنح السجين أو الشاب المهمّش سرداً جديداً عن نفسه غير سرد الرقم والجريمة والوصمة. وهي قادرة، كما يشرح علم النفس، على تعديل كيمياء الدماغ وتفريغ الطاقة المكبوتة وتحويلها إلى إبداع بدل العنف. لكن هذا الباب المفتوح يبقى عرضة للانغلاق من جديد إن لم تتكفل جهات أخرى بحراسته. فالشاب الذي يخرج من ورشة مسرحية إلى حيّ يعاني من التهميش والحرمان والبطالة، والسجين الذي يتعلم الحرفة داخل المؤسسة العقابية ليصطدم بعد الإفراج بغياب فرص العمل، كلاهما مرشح للعودة إلى النقطة التي بدأ منها، مهما كانت التجربة الثقافية التي عاشها غنية وصادقة.
ولذلك، فإن الحديث عن دور الثقافة في مقاومة الجريمة لا ينبغي أن يُفهم على أنه دعوة لاختزال الحلول في المكتبات والمسارح ودور الشباب، بل تذكير بأن هذه الفضاءات لا تعمل بمعزل عن سياقها. فالإصلاح الاقتصادي الذي يوفر فرص العمل ويقلّص الفوارق بين الأحياء، والإصلاح الاجتماعي الذي يحارب التهميش ويعيد اللحمة للنسيج الأسري والمجتمعي، والإصلاح السياسي الذي يضمن العدالة في توزيع الفرص وتطبيق القانون، كلها شروط لا تقل أهمية عن التشريعات والعقوبات نفسها، التي تبقى بدورها ضرورية لضبط من لا يكفيه الوعي وحده رادعاً عن الجريمة.
بهذا المعنى، تصبح الثقافة حلقة أساسية، لكنها ليست الحلقة الوحيدة، في منظومة متكاملة للوقاية من الجريمة والحد من الانحراف، منظومة لا تكتمل إلا باجتماع الجهود الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والقانونية معاً. فالكتاب واللوحة والمسرحية قد تنير الطريق أمام من ضلّ، لكنها وحدها لا تبني الطريق ولا تُقيم عليه المعالم؛ تلك مهمة تتقاسمها الدولة والمجتمع معاً، بمؤسساتهما وسياساتهما، لا الثقافة بمفردها.
إعداد القسم الثقافي لجريدة الصريح:
مروة جليد
اسماعيل مروجي
