على خطى دردور: هيبون أعرق من قرطاج

 

يواصل المؤرخ حسن دردور، في كتابه “عنابة: 25 قرنًا من الوجود”، رحلته إلى أعماق الزمن، متوقفًا هذه المرة عند عصر الملوك النوميديين، وعند اللحظة التأسيسية الأولى التي شهدت ميلاد أول مركز تجاري فينيقي في شمال إفريقيا، على ضفاف خليج هيبو-هاغرا، الذي يحمل اليوم اسم عنابة.

يذكر دردور أن التاريخ المدوَّن لشمال إفريقيا يبدأ فعليًا مع الحضور الفينيقي والحضارة القرطاجية، وأن ما قبل ذلك كان مجرد فترة استقرت خلالها، لأول مرة، جماعات أجنبية حول خليج هيبو-هاغرا وعلى قناة هيبو-ديارهيتوس، أي بنزرت الحالية. ويوضح أن هؤلاء البحارة، القادمين من الشريط الساحلي الضيق المعروف اليوم بلبنان، والذين جذبتهم مناجم الفضة في جنوب إسبانيا، وجدوا في هذه الأماكن ملاذًا محميًا قريبًا من المياه العذبة، وبعيدًا عن رياح الغرب القوية، إلى جانب مجاورة مدينة يمكن التجارة معها.

ويصف دردور منطقة هاغرا بأنها كانت محاطة بقمم جبلية مورقة ومتدرجة بانسجام، يرويها نهران لا ينضبان، ومحفوفة بشواطئ رائعة ومغذاة بينابيع غزيرة، وهو ما جعلها، في نظره، مكانًا لا بد أن يفرض نفسه على هؤلاء الفينيقيين، الذين ينحدرون بحسبه من سلالة بني كنعان، أي من أصل عربي، والذين أطلق عليهم بعض المؤرخين اسم البونيقيين.

ويرجّح دردور أن البلدة الصغيرة، التي لم تكن تتجاوز مساحتها بضعة هكتارات في تلك الحقبة، كانت تتوفر على ميناء صغير عند مصب نهر سيبوس، الصالح للملاحة لمسافة تفوق ثلاثة كيلومترات، والذي كان يستقبل السفن الفينيقية الصغيرة. وينقل دردور أن التجارة آنذاك كانت تقوم على مقايضة الكماليات الفينيقية، كالزجاجيات والمرايا المعدنية ومساحيق التجميل والأصباغ، مقابل منتجات محلية كالحبوب وصغار الفيلة والخيول.

ويشير دردور إلى أن هذا التوغل الأجنبي لم يمسّ في بداياته سيادة البلاد، مستندًا إلى طبيعة الأمازيغ، الذين اعتبروا النشاط التجاري البحري، المقترن بإتاوة سنوية، تجديدًا مفيدًا في علاقاتهم مع الضفة الأخرى من البحر. غير أنه يلاحظ أن الفينيقيين، من سلطة كانت في أصلها اتفاقية بسيطة، تمكنوا تدريجيًا من فرض هيمنة حقيقية على المكان.

وينقل دردور عن المؤرخ أ. مايترو تساؤله حول طبيعة هيبونا في تلك المرحلة: هل كانت مدينة حقيقية محاطة بأسوار، أم مجرد مرفأ صغير للتجار؟ ويستشهد دردور بوصف مايترو لازدهار المدينة الناشئة، حين امتلأت بالمنازل والأقمشة الفاخرة والجواهر والعطور والعاج والأبنوس. ويوضح دردور أن حدود المدينة الطبيعية كانت نهرين، سيف أوباس جنوبًا، ومصب نهر أرموا شمالًا، عند الموقع الحالي لمحطة عنابة.

ويذكر دردور أن المدينة سرعان ما امتلأت بالمعابد، من بينها معبد خُصص لعبادة بعل-زحل عند تل لالة بونة، وهو الموقع الحالي لكنيسة القديس أوغسطين، ومعبد آخر أقيم أبعد نحو الشمال الشرقي، عند الموقع الحالي لمسجد أبو مروان البوني، فيما اتخذت المقبرة مكانها على التلة المعروفة اليوم بـ”جبانة اليهود”، حيث اكتُشفت أثناء حفر القبور مدافن كثيرة محفورة في الصخر.

ويقر دردور بأن الآثار المعترف بها رسميًا من الحقبة السابقة للقرطاجيين نادرة، باستثناء سور صغير عند سفح تلة القديس أوغسطين، وبعض المنحوتات والمسلات التي تعود، بحسب التأريخ، إلى ما بين القرنين الثاني عشر والحادي عشر قبل الميلاد. أما رصف بعض شوارع هيبون بألواح حجرية ضخمة، وأغلب القنوات التي لا تزال قائمة إلى اليوم، فيرجعها دردور إلى العصر النوميدي.

ويوضح دردور أن البونيقيين، الذين أطلقوا على المدينة اسم هيبونا، والتي كانت لغتهم قريبة في أصلها من العربية، كانوا يتحدثون البونيقية ويعظون بها في الأبرشيات الريفية الممتدة على طول الساحل حتى هيبو-ديارهيتوس، التي تحوّلت، بفعل طموح طبقة تجارية وحب الربح، إلى مدينة تجارة كبرى منذ القرن الثاني عشر قبل الميلاد.

وينقل دردور شهادة تؤكد أن هذا الحضور الفينيقي منح مدينة هيبونا عراقة محترمة، إذ سبقت بأربعة قرون كاملة وصول ديدون الأسطورية إلى إفريقيا، التي استولت، بحيلتها الشهيرة المتمثلة في جلد ثور مقطّع إلى شرائط، على الأرض التي ستصبح مهد قرطاج. وبذلك، بحسب دردور، كانت هيبونا قائمة قبل قرطاج نفسها، في زمن لم تكن فيه لا روما ولا مرسيليا قد تأسستا بعد.

ويختم دردور هذه المحطة مستشهدًا بالمؤرخ إ. ف. غوتيي، الذي يؤكد في كتابه “ماضي شمال إفريقيا” أن الحضور الفينيقي في حوض البحر الأبيض المتوسط الغربي يعود إلى منتصف القرن الثاني عشر قبل الميلاد، في حين أن قرطاج نفسها لم تُؤسَّس إلا سنة 814 أو 813 قبل الميلاد، وأن مدينتي هيبو، هيبو-ريجيوس (عنابة) وهيبو-ديارهيتوس، كانتا، مثل أوتيكة، أقدم من قرطاج بكثير.

عبد المالك باباأحمد 

مقالات ذات صلة

حارس العمارة: تجسيد لفسفة العمران الكولونيالي

sarih_eco_cult

مهرجان تيميمون الدولي للفيلم القصير يستقطب أكثر من 3265 فيلمًا من 132 دولة في دورته الثانية

sarih_eco_cult

انطلاق فعاليات الصالون الوطني للصورة الفوتوغرافية بعنابة

sarih_eco_cult