من “شبيه زيدان” إلى “ذا الكورنيض أما ماي أما ماي” .. يصداف المتجول في مواقع التواصل الاجتماعي بشكل يومي عشرات الأشخاص الذين حولتهم مواقف عفوية وثقوها بهواتفهم إلى جزء من الثقافة الجماهيرية على الانترنت التي تعرف بـ “الميمز”، سواء أكان ذلك فيديو يعاد إدماجه مه فيديو آخر، أم صورة يعاد نشرها مع تعليق مختلف في كل مرة، “الميمز” التي باتت جزءا لا يتجزء من ثقافة مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي في العالم طرحت العديد من الأسئلة الأخلاقية حول استغلال صور لأشخاص دون علمهم أو موافقتهم، ولكن مع المداولة 04 المؤرخة في 15 جويلية 2026 والتي تتعلق بـ معالجة ونشر الصور والتسجيلات السمعية البصرية للأشخاص الطبيعيين عبر المنصات الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي، أصبح ضبط الميمز بقيود قانونية وأخلاقية أمرا واقعا قد يحمي رواد مواقع التواصل الاجتماعي من التحول لمادة سخرية وتنمر.
استنادا للقانون رقم 07-18 المؤرخ في 25 رمضان عام 1439 الموافق 10 جوان سنة 2018، المتعلق بحماية الأشخاص الطبيعيين في مجال معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، وبعد المداولة 04 المؤرخة في 15 جويلية 2026 خرجت السلطة الوطنية لحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي بمجموعة من القرارات التي من شأنها حماية المواطنين من استغلال صورهم وتسجيلاتهم على المنصات الالكترونية وتحولهم لمادة للتنمر.
تضمنت الوثيقة المنشورة في الموقع الرسمي للسلطة الوطنية لحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، 11 مادة من شأنها أخلقة الفضاء الالكتروني وحماية رواده من الاستغلال بجميع أشكاله، وتهدف المداولة حسب ذات المصدر إلى “تحديد الشروط والضوابط القانونية الواجب احترامها من قبل المسؤول عن المعالجة عند جمع أو تسجيل أو حفظ أو نشر أو بث الصور والتسجيلات السمعية البصرية التي تسمح بالتعرّف المباشر أو غير المباشر على الأشخاص الطبيعيين، سيما المواقع الإلكترونية والمنصات الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي”، وتضمنت المادة 4 من المداولة شرط “الموافقة الصريحة” على النشر فعندما “يكون النشر أو البث موجهًا للجمهور عبر المنصات الرقمية أو مواقع التواصل الاجتماعي، يتعين الحصول على موافقة حرّة وصريحة ومسبقة قابلة للإثبات من الأشخاص المعنيين، ما لم يوجد أساس قانوني أو تنظيمي آخر مقرر بموجب التشريع المعمول به” حسب ذات المصدر.
ولم تكتف السلطة الوطنية لحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي بشرط “الموافقة الصريحة” فقط، بل ألزمت المسؤول عن المعالجة بإعلام الأشخاص المعنيين بصورة واضحة ومسبقة على وجه الخصوص بـ: “هوية المسؤول عن المعالجة، الغرض من التسجيل أو التصوير، وسائل النشر أو البث المزمع استعمالها، مدّة الاحتفاظ بالمعطيات، حقوقهم القانونية المتعلقة بالولوج والتصحيح والاعتراض وسحب الموافقة عند الاقتضاء” حسب المادة 5 من المداولة.
كما منحت ذات الجهة الحق في الشكوى والاحتجاج فـ “دون الإخلال بحق الشخص المعني في اللجوء إلى الجهات القضائية المختصة، يجوز له، إذا رأى أنّ معالجة صوره أو تسجيلاته السمعية البصرية أو نشرها عبر المنصات الرقمية أو مواقع التواصل الاجتماعي، قد تمّت بالمخالفة لأحكام القانون رقم 07-18 المعدّل والمتمّم، أو لأحكام هذه المداولة، أن يتقدّم بشكوى أو احتجاج إلى السلطة الوطنية لحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي وفقًا لأحكام المادة 25 من القانون المذكور” حسب المادة 7 من ذات المداولة، ولذلك وضعت السلطة الوطنية تحت تصرف الأشخاص المعنيين خدمة إلكترونية مخصّصة لإيداع الشكاوى والاحتجاجات عبر موقعها الإلكتروني الرسمي، حيث تتولى دراسة الشكاوى والاحتجاجات واتخاذ ما تراه مناسبًا من إجراءات في حدود الصلاحيات المخوّلة لها بموجب أحكام القانون رقم 07-18 المعدّل والمتمّم.
الميمز: جنس تعبيري دون ضوابط أخلاقية أو قانونية
مع الكم الهائل من الأحداث والمادة المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي، اقترانا بظروف البيئة الرقمية المتحررة نسبيا من الضوابط الأخلاقية، وجدت “الميمز” البيئة الخصبة للانتشار بشكل “فيروسي” فما إن تنتشر الصورة أو الفيديو يستحيل سحبه من الوسيط الباث.
قد يراها البعض مسلية، وقد يراها البعض الآخر جنسا تعبيريا لا يقل شأنا عن الأدب أو السينما أو المسرح، ينتج بوسائل بسيطة في متناول الجميع، ويجد الانتشار في بيئة حرة لا عوائق للنشر فيها، لكن هل سألنا أنفسنا عن التبعات النفسية التي يخلفها الميمز على الأشخاص الذين يكونون موضوعا له؟
سنة 2002 قام التميذ الكندي الكندي غيسلان رازا/ 14 سنة بتصوير نفسه ضمن مشروع مدرسي وهو يقلد فيلم “حرب النجوم”، وبقي الفيديو مجهولا لمدة 5 أشهر كاملة، إلى أن اكتشفه 3 من زملائه في المدرسة، ليعيدو نشره ويلقى الرواج بطريقة فيروسية ليصبح ظاهرة عالمية خلال أسابيع ما تسبب له بتبعات نفسية أدت به لإنهاء فصله المدرسي في مصحة، حسب موقع اعرف الميمز الخاص بك.
ولعل المتابع لمواقع التواصل الاجتماعي في الجزائر سيجد عشرات الحالات المشابهة، أشخاص قاموا بـ “التصريح” للصحافة في ساحة عمومية، ليجدوا أنفسهم بعد ساعات مادة للتنمر على مواقع التواصل الاجتماعي، ربما قاصر صور نفسه ونشر الفيديو على مواقع التواصل دون أن يعرف تبعات ذلك، لتخرب حياته فجأة .. أول يتحول لصانع محتوى مشهور تتهاطل عليه العروض، حسب المزاج العام لرواد مواقع التواصل واهواء أصحاب الصفحات الكبرى.
الصفحات الاكترونية .. منابر تنشر خطاب الكراهية
في الساعات القليلة الماضية قامت صفحة “Scorp mêmes 0.2” التي قام مسيروها بإلغاء نشاطها خوفا من التبعات القانونية، بنشر منشور يفيض كارهية بخصوص أطفال مأساة المحمدية، مدعية أنهم نتاج “الفسق الذي يدعو له العلمانيون” ما أثار حفيظة رواد مواقع التواصل الاجتماعي، الذين رفضوا كل الرفض إقحام مأساة وطنية في صراعات أيديولوجية على منصات التواصل الاجتماعي.
في ذات السياق، أكدت الأمينة العامة ل “حزب العمال”، لويزة حنون، أن هناك بعض الصفحات الالكترونية باتت تروج لخطاب الكراهية وتمارس سلطة باعتبارها حارسة للأخلاق والنوايا، وهو ما يعد مؤشرا خطيرا قد يهدد الحريات العامة للأفراد.
باتت الصفحات الاكترونية المتخصصة في الميمز، والتي يصل عدد متابعيها لعشرات الملايين، أشبه بسلطة موازية في مواقع التواصل الاجتماعي، تتخذ من “السخرية” وتقنيات المونتاج والذكاء الاصطناعي أدوات لها لوسم من تشاء، ومتى تشاء مغافلة وجود منظومة ردعية متكاملة .. تبدأ بترسانة قانونية وتنتهي بعبارة “على اثر انتشار فيديو”.
السلطة الوطنية لحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي تنهي العبث
مع صدور المداولة 04 المؤرخة في 15 جويلية 2026، المتضمنة لـ 11 مادة، منحت السلطة الوطنية لحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي المواطنين حقين لافتين للنظر من شأنهما فرض قيود أخلاقية وقانونية على مستخدمي الفضاء الرقمي، ويتعلق الأمر بكل من الحق في معرفة الجهة الباثة الجهة المعالجة للفيديو أو الصورة والغرض منها، بالإضافة للحق الثاني المتمثل في التصحيح والاحتجاج والاعتراض وسحب الموافقة على النشر، مع توفير منصة الكترونية لإيداع الشكوى ما من شأنه أن ينهي عبث استخدام المعطيات الشخصية للمواطنين في صناعة تحولت من ثقافة جماهيرية هدفها المتعة إلى صناعة للكراهية والتنمر في الفضاء الرقمي، تسببت عبر سنوات طوال في تكريس الأذى النفسي للأشخاص، وترسيخ سلطة على مواقع التواصل الاجتماعي من خلال السخرية، لكن الرهان الحقيقي يبقى في إنتاج مواطن يحمل وعيا وثقافة رقمية مسؤولة، تفرق بين المتعة وبين التسبب في الأذى النفسي.
