الشاعرة التونسية سونيا فرجاني: الشعر ينتظرني وأنتظره كلانا يلهم الآخر..  كلانا عاشق لا يخون

 

حاورتها / مريم خضراوي

س 1…المرأة الملهِمة أم المرأة الملهمة، المرأة القصيدة أم الشاعرة ،سونيا فرجاني؟

ج: كلاهما ممكن أو كلاهما قائم، فالمرأة التي تقطن في ساحة القراءة المترامية الأطراف وتبني أعشاشها بين الحروف والكلمات وتعيش فوق أرجوحة الإيقاع الداخليّ لكلّ التفاصيل حولها هي امرأة مُلهِمة للعالم ومُلهَمة من العالم.

هي حكاية حركة دائمة وركض متواتر بين براثن القصيدة وأناملها الهلامية الشديدة التمطّط.
إنّ الطّاقة الهائلة التي يمنحها لنا الشعر في هذا الوسط الدّلالي البلاغيّ الإنسانيّ العميق تجعل منّي كائنا هشّا يستقبل الإلهام المخزّن في أقاصي الغيب بخفّة كلّما تطاير وعبثت به رياح الشعر.
شحنة من مكونات وجود تصنع منّي هيكلا شفّافا تفضحه القصيدة بين نصّ ونصّ و يُلهم من حوله بين قفز وقفز  ويوهم من خلفه أن الشعر مرايا مكسّرة .
من يكتب الشعر يبني للعالم مرآة ضخمة تعكس كل جمال حولها وتدفع بالقبح خارج دائرة الضوء.
أنا في قدري الشعري هذا أحب أن أكون حقيقة جميلة تعيش بين الأزمنة والأمكنة دون أن تتلاشى في السراب الكاذب.

س 2..كم إستغرقت سونيا فرجاني من الشعر لتعثر على صوتها الخاص؟

لم أعثر على صوتي الخاص بعد وقد لا أعثر عليه لأنّ الحركة داخل السّكون تنتج صوتا مختلفا أو أصواتا متنوعة قد تعتبرها الغالبية المنصتة أو الملتقطة للذبذبات ضربا من الخطيئة  أو الأخطاء.

الاتهام  بالخطيئة يجعلنا نعيش غربة  والغربة تصيبنا بالخوف الداخلي من أصواتنا الخفية والمعلنة .
نحن نوهم أنفسنا أنّنا نعيش في فردوس الشعر الطّاهر وهي عبارة لصبحي حديدي أتبناها لأنطلق منها نحو صوتي المرتعد في مجتمع تعوّد رفض الغير مألوف لذلك أجدني  محاولة حماية صوتي  بهدم الصمت السلبي وتكريس الكلمة المترامية الأغصان.
الشاعر مكلّف بغسل أدران العالم أي بغسل مخيّلة الإستقبال القديم المتوتر المتورّم أحيانا وأحيانا يتسلّل نحو الأفق البعيد  ليراقب من مسافات شاهقة ما يمكن أن يثير قلق الهدوء. إثارة القلق تستوجب رفع الصوت
المجاهرة به. أنا دائما أعدّد صوتي وأعدّله بين نوبة شعر وأخرى .

الشعر كائن حرّ لا يحتمل التزاما ولا نسقا ولا نظاما ولا جمودا ولا رتابة .

كلّ صوت مخالف للخرافة والألفة قلّما ينجح في تحقيق التحدّي الأكبر الذي هو تلميع الصدى
الآن وقد عبرتُ هذه السنوات الكبيسة صرت أمتلك تذكرة عبور متينة  أسمّيها قرّائي  وهم أنبياء مملكتي لذلك معهم ولأجلهم أواصل السفر والصراخ حتّى أعثر معهم على صوتي الخاص الخالي من حشرة الطبول والمزامير .
قد لا أبلغ هذا ولكن يكفيني أنّي عشت أعلّم نفسي صنع الينابيع  والجولان في” جزر الشعر الخفية”.
شكرا لقرائي الذين يجعلونني أسمع صوتي من خلال آذانهم المصغية
معهم فقط يمكن أن أعثر على صوتي

س 3…هل تثقين بنصك .. وإلي أي مدى تحتاج سونيا فرجاني لثقة الآخر بنصها لتواصل في الكتابة؟

لا أثق بنصّي ولا يمكن أن أفعل ذلك كي لا أصاب بنرجسية جبانة تسقطني في منزلق الكهف المظلم
أما الكتابة فإني مصابة بها ولن أتركها ولو بقي على هذه الأرض قارئ واحد لشعري فسأكتب له.
في المقابل أنا سفّاحة شعر أقتل نصوصي وأردمها بعد أن أخرجها للعالم تقطر ماء بطعم ولون.
أحيانا كان شعري يغلبني ويقتلني حين يفلح في التحرر من ذاكرتي الساخنة  التي  تنجح في حرق ركام الماضي.
تاريخ الأدب لم يتجاهل القارئ أبدا فهو منتج النص الجديد وهو حارسه أو ناكسه .كلّ حسب قدرته على التعامل مع مزاج اللغة وإعجاز الشعر.
للقارئ آفاق توقعّات وللكاتب آفاق تلقّي وبين الحدثين تتأرجح حالة الشاعر  ويبنى مستقبل نصه المعلن والمضمر.
ردود فعل القارئ  الآخر،هي النتيجة المخيفة التي ينتظرها الكاتب في لحظة التحدّي الأكبر التي لا تتوقّف والتي يعيش فيها الشاعر أو المبدع حالة انتظار شاقّة حتى اليوم الذي يلتقي فيه قارئا له أفق توقعات قادر على بلوغ المعنى الأصليّ أو سابق له فاتح معه وبه أشواطا من الدلالات  المنعشة.
اللغة تهزم الشاعر وتجعله مريضها المصاب بوهن دائم لا يخوّل له الثقة بمنتجه.
اللغة  حقيقة الشاعر التي لا تقف إلى جانبه عادة
هل في ذلك عشق بينهما وغيرة أم صراع واستماتة  من أجل أن يملك كل واحد منهما حقيقة الآخر.؟من أجل أن يثق كل طرف بنديمه.

الآخر بماهو قارئ هو سلسلة الحلقة المفرغة
القارئ هو الكاتب الجديد للنص فكما يُبنى حوار ديالكتيكي بين القارئ والنص يكون الكاتب قبله  قد بنى حوارات لا متناهية بينه وبين قارئه تجعل ثقته بعمله هشة وقلقة  قابعة دائما على كرسيّ الانتظار الطويل.

أنا أكتب لأصغي لقارئي وهو يستقبل تراكماتي المندفعة وتدافعاته المتراكمة

الحالة تستوجب حيرة لا ثقة  ومن يثق بنصه سيصاب سريعا بالتوّرم الخبيث.
عندما أصل إلى مرحلة صناعة اللغة لا إلى تجديدها سأقول أني بدأت أثق بنصي لأن قارئي سيكتشفني من خلال مرآتي لا مرآة اللغة.لس 4….نستطيع أن نقول أن سونيا فرجاني بانفتاح نصها وتخلصه من الماضوية وصل إلى العالمية؟

 

تتكوّن القصيدة داخل أزمنة وأمكنة مختلفة متباعدة ومتقاربة أحيانا.

تواكب حركة اللغة الدؤوبة وسريان الوقت الفضفاض وجذب التاريخ الحيّ.

تنفتح وتضيق كأزهار في أوج موسمها لكنّ النّحل الذّي يحطّ عليها على مدار اليوم يوزّع رحيقها وروائحها في أرجاء لا حدود لها.
أحاول في كتاباتي أن أجدد علاقتي بالعالم وأن أركل الموروثات الاجتماعية الماردة التي عكرت مزاجي وحريتي وزادت في ازعاجي وإثقال فكرتي الطائرة .
يسمي بعضهم هذا تمردا ويسميه الآخرون ثورة وأسميه نوبة عشق الاحتكاك بالعالم دون منغصّات ولا أتربة .
كتب الجاحظ عن” الكتابة بالقفز والوثب” أو ما سماه النقاد” الاستطراد “.أنا لا أسميه كذلك بل أحيله إلى مفهوم الاستعداد للتخطّي  التحدّي أو  التعدّي، ليس تعدّي الموضوعات وإنما تحدّيها والانتقال بها وليس منها .

نحن في الشعر نسرق من الماضي لنفهم الحاضر أو لنفسّره. نسرق من اللغة الماكرة بمكر آخر .

الشاعر لصّ داخل النصّ  يلتقط النقاط الغائمة في عالمه يدفع بها الى القصيدة  عبر مقصّ اللغة الذكية المترامية الأطراف.
تغيرت أمور كثيرة في هذا العالم الحزين  وفي عالمي المتربك لذلك أحاول أن لا أشعر بغربة داخل الشعر فأجدني أركبه وسيلة سفري العجيبة نحو محطات العالم الكبير  متخفّفة من عباءات أهلي وأثقالهم متعاطفة مع حريتي ورؤيتي المفتوحة على غد بلا رواسب أبحث عنه بهدوء وصخب في آن واحد.
هذا الغد يقطن إلى جانبي وربما يسكن داخلي لكن تنقصني شجاعة تصويره واضحا بسبب هشاشة اللغة ولولبيتها المسنّنة.

الشعر ابن اليوم وحفيد الأمس المتغير  وهو حالاتي كلها التي تُلصقني بجدار الكون البعيد.
العالمية هي أن تجد نفسك في نصك ويجد الآخرون أصواتهم فيه وإن أخفقت الترجمة بعض التفاصيل. فالترجمة قلّما نقلت القصيدة الأصلية وكثيرا ما جمّلتها في مرات عديدة .

عندما أنجح في جعل نصي جديدا ومختلفا ومثيرا لانتباه الضّفة الأخرى أكون قد حقّقت الشعر دون أن يعنيني تحقيق العالمية .

 

 

5…..الانتماء يتحدد من خلال عدة عوامل بما في ذلك التحصيل الأكاديمي والدافع النفسي والإجتماعي والمناخ السياسي ….فكيف حددت كل العوامل المحيطة بسونيا فرجاني انتماءها الأدبي؟

أنا أنتمي إلى الشعر قبل أن أنتمي إلى أمي وأبي رمتني الغريزة في مداراته في زمن قديم جدا ومازلت أسبح في ملكوته الغامض

الإنتماء إلى الشعر مغامرة كبرى بدأت في تاريخ لا أعرفه وقد تنتهي بين كفّيْ قارئ عظيم

قارئ عفريت

الشعر قدري وفعله العجيب راسخ في وعيي ولا وعيي مبعثر بين أمسي وحاضري وغدي
تخصّصت في التاريخ صدفة لأن نجاحي في باكالوريا آداب  لم يكن بمعدل مرتفع يخوّل لي اختيار ما أريد .وجدت نفسي عالقة في شباك الجغرافيا والتاريخ بالجامعة التونسية وركبت ذلك البحر الهائج بثبات حتى تحصلت على الأستاذية وعدت بها إلى خلوة الشعر ممتلئة بالذاكرة والتجربة والعبرة والحقيقة التي أحتاجها لأثبت جبروت الأسطورة ومتعتها.
التاريخ أضاف لخيالي الشعري وأعطاه تذكرة عبور سارية.

لا يمكن أن أسلّم مطلقا بأن للمكان أو الزمان أو الحدث السياسي  خاصة أو الواقع الاجتماعي قدرة على تشكيل انتمائي أو برزخي الشعري أنا كائن تقوم حياته على الرغبة في التخلص والاستبدال والتجديد في كل ماهو فكري واجتماعي يثقل كاهلي وبالمقابل أنا امرأة صارمة جدا في رسم حدود الوفاء وتأطيرها باللآلئ في كل ما يتعلق بحياتي الخاصة جدا وعالمي البيتي والعاطفي

لن أحسم أمري في شكل قصيدتي أو انتمائها أو انتمائي

انا شاعرة تسلك الأنهار والفيافي والجبال والمنحدرات والصحاري والبراري بلا هوادة .

 

 

 

الس 6…..الشاعر من ذوات الأجنحة مجاله اللانهاية….لكن لابد يرجع للعالم الذي هو منه ليصلحه ويصحح ما حصحص فيه من (صحيح بائد ) هل تؤثث شاعرتنا لصحيح ربما أصلح وأصح؟

أيتها الرائعة التي تقتنص اللحظة بخفّة وبهاء.
نعم أنا بصدد كتابة أوراق جديدة قد أجمعها في كتاب بعنوان “صحيح البحار”لسونيا الفرجاني

كأني في هذا الكتاب أحاول أن أقطع مع صحيح البخاري أو بالأصح أخطاء البخاري وأواصل طيراني  الحرّ بخطّة حسية روحية فكرية جديدة لا تعود بي إلى الخلف مطلقا ولا تتلف علاقتي الشفافة بالعالم .
أحاول أن أعطي لقارئي مجسّات جديدة تلتقط حركة العالم خارج ماضيه وأثقال معتقداته  المفبركة في غالبيتها.
كل ما في الكون من تناسق  لا يمكن أن يحقق لي استقراري النفسي انا بحاجة الى الدوران اللا مشروط كي أحقق طيراني الخصب

 

كتب الشاعر العراقي فاروق يوسف ديوانا شعريا سماه” لنعد يا حصاني إلى النوم ” حاول فيه أن يشرح للعالم أن من يتبع العالم الذي حوله هو في الحقيقة نائم غير قادر على صنع حياة.

الحياة المليئة بالحياة
تخلّى عن كل شيء واختار أن يكون غريبا أراد أن يكون فكّ الارتباط جزء من غياب سيجلب تداعيات عفوية من غير أن يلحق الأذى بأحد كما يقول.

إن الشعر يا صديقتي فلاح ماهر غرس فينا أسبابا لا نهائية للاختلاف وجعل منا كائنات مستفهمة لا تهدأ لأيّة تسويات واضحة ول اترغب في أن تكون جزء من تاريخ اجتماعي ديني معطّل  معطّب لا يحقّ لنا فيه  الاعتراض والرفض والتجاوز أو التمرد.

لقد نظّف الشعر عالمي من ملائكة العالم وملأه بشياطين الشعر
بين شياطيني وملائكتهم هوّة شاسعة ومفاهيم مشوشة

أحلم أن أصحّح مسار اللغة في الشعر اللغة ذلك العملاق المارد الذي خّرب هدوئي وجعل حياتي مليئة بالألغام والإنفجارات .
بقدر ما تهزمني اللغة أعاندها وبقدر ما أصارعها تضمني

العلاقة فيما بيننا عداوة وعشق

عصيان ولين

في الشعر أحب أن أخترق المعنى لا أن أعبر به أو من خلاله
إذا دفعتني القصيدة إلى التفكير أتخلى عنها  لأن التفكير يجعلها  شبيهة بأخواتها أو بأبناء عمومتها
أنا أحب أن أنتج قصائد بلا نسب ولا جينات واضحة

في الشعر أنا امراة لا تحب أن تعيش تحت سلطة أي عقد
أحبّ أن أكتب الشعر الذي يوقظ النيام من سباتهم،أحيانا تكون في حقلك مساحو توليب ولا تراها  فأنبّهك
وأحيانا يكون على معصمك سوار من عقارب ولا تراه فأحاول أن أجعلك تتفطن
الشعر ضوء ومرايا وصوت رنّان
قد يكون صفارة انذار وقد يصلح ان يكون ناقوس دخول إلى عالم جديد

 

الس 7…هناك نصوص ممعنة في سلبيتها وخضوعها تجعلك تتوجس خيفة وخيبة ورتابة……..وهناك سونيا فرجاني من تهبك رحلة حرة تغزل فيها نفسك بنفسك وتذعن للشعر نبوءة إنسان…….أخشى عليك في بعض نصوصك من التكرارألا يرعبك أن تتكرري في نصوصك؟
الشاعر الذّي يكرّر نفسه عليه أن يكفّ عن الكتابة مباشرة ويتخلّص بهدوء وحكمة من دخان مصنعه المحترق.
أن تمدّد الأجنحة من حولك يعني أنك تحمي نصك من الانفجار والتلاشي
يكتسب النصّ الشعري حياته من تجدّد خلاياه ومن تلك العلاقة الجديدة التي تقيمها اللغة فيما بينها ويقيمها الشاعر فيما بينه وبين التفاصيل المهملة .

إنّ التجربة الوجوديّة للإنسان محكومة بالنقصان دائما لذلك يجب على الكاتب أن يصلح هذا العطب الميكانيكي بالسّعي إلى تدارك هذه الخيبة داخل هرمه الفنّي.
الفن صعب والشعر أصعب الفنون

الشعر مشروع فنّي مارد ومتمرّد لا يستطيع أن يعلو إذا حافظ وهو يرتفع على نفس المقاسات والأحجام والأوزان.
العمارة تحتاج حكمة بناء وتغيير في مكايل كلّ شيء
الشعر مشروع حياة شائك. مشروع  روحي داخليّ ولغوي واجتماعيّ
لو أنّ الشاعر يستسلم لتكرار نفسه وصوته وتقليد نصّه سينتج عشرات الكتب وسيكون ذلك سهلا جدا  وممكنا لكنّه سيكشف لنفسه والقارئ معا رتابة الطريق المسلوكة وقحولتها ورتابة مشاهدها واهتراء كلّ ما فيها من وسائل عبور
يصاب الشعر بالاهتراء حين يكرر نفسه
علينا أن نكتب ونمحو من الذاكرة ما حفرنا باللغة
علينا أن نكون مشّائين حذقين بين نصّ ونصّ كي نتخلّص  من أدران الطريق الأولى.

الطريق الاولى ضرورية والكتاب الأول ضروري  ولكن غلق الدائرة يوقف زمن الشعر.
على الشاعر أن يكتب كل نصّ على أنه نصه  الأول الجديد
يقول بول شاؤؤل:” أسهل شيء على الشاعر أن يقلّد نفسه ”
محمود درويش لو لم ينقذ نفسه بعد حوالي عشرين عاما من الكتابة الجماهيرية كما يقول شاؤول لاانتهى.  فقد صار صاحب نصه لا صاحب قضية وجمهورها.
تحول من شاعر وطن إلى شاعر كون

عندما يخرج الشاعر عن طريقه الأولى التي سلكها يعطي لنفسه فرصة إنقاذ نفسه من النرجسية الدميمة  ويدخل إلى نصه من شرفات لا تنتهي بذلك يحقق في شعريته الرخاء والرّفاه ويصنع لنصه يدا كبيرة تحتوي الكون والتفاصيل الدقيقة التي تحتاجها رئة اللغة وقصبات هواء المعنى المتضخم ليكون الشعر شعرا.

 

أنا لا أستطيع أن أخرّب القصيدة بتكرارها

التكرار يساوي الهدم في تقديري  وأنا   حسمت الأمر وعاهدت نفسي على البناء الدائم المختلف الأدوات والأشكال وأرجو أن لا أخفق في ذلك أو أتوهّمه.
نهدم لنبني ونبني لنهدم هذه سيرورة الشعر في تقديري وحياته السليمة

 

 

الس 8….عندما تخلع إمرأة ما يسمى (الحجاب) فالأمر ليس نفسه بالنسبة لشاعرة ،ولا قرار وضعه هو نفسه بالنسبة لكليهما ؟

كل اعتداء على الجمال هو اعتداء على الجسد  وهو اعتداء على الطبيعة واعتداء على الشعر

كل امراة في العمق منها ترغب أن يكون جمالها حرا  ولا يمكن أن أصدق عكس هذا

وضعت الحجاب عندما أقمت مناسك الحج والعمرة في رحلة عمل مطول مع زوجي بالخليج وعندما كنت أخاف من المجتمع وأوليه أهمية مطلقة.بطفولة كاملة  حبست شعري وحريتي وقناعاتي الداخلية .
وضعته شاعرة وتخليت عنه شاعرة أكثر وعيا بالعالم وبالآخر
تقلبات الحياة ونضج التجربة جعلني أهزم الخوف الموروث والخضوع الجائر وتخلّصت بقناعة من الحجاب لأني لم ألبسه يوما بقناعة .

لم يفرضه علي أحد ولكني واكبت السائد بكل بساطة كمحاولة لإرضاء  من حولي.

وهم هلامي لا أكثر ولا أقل  وخوف ساخر من غضب العمة والجدة والخالة والأب الطيب.

احترم حرّيات الآخريات ولا أتدخل في اختياراتهن ولكن لا أخفيك أني خسرت الصديقة الأقرب لقلبي  فقط لأنها أخذت موقفا سلبيا مني حين تخليت عن الحجاب واعتبرت ذلك تمردا وتجاوزا لا معنى له.
هي تخلت عني ورفضت أي تواصل بيننا واعتبرت فعلي رضوخا بائسا لحريات زائفة يقتضيها الشعر الفاسق.

ما أصعب حياة المرأة في مجتمعاتنا العربية الإسلامية. بين جسدها الراهن وجسدها المتخيل هوّة . وهنا اقصد في علاقتها الذاتية به لا علاقة الاخر .

نحن نحب أجسادنا في العلن ونكرهها في الخفاء  لأنها أجساد محكوم عليها بهراوة الدين والذكورة والمجتمعات الجبارة التي غرست في أذهاننا أن تغطية رأس  المرأة  وجسدها إدّخار للجنة .
لم أعد أصدق هذا.

 

 

 

 

الس 9….هل وضعت سونيا فرجاني الحجاب يوما وهل كانت حينها شاعرة أم امرأة أخرى؟

 

نعم وضعته احتراما لتقاليد الاسرة وعرفها الإجتماعي وكنت حزينة جدا طيلة سنوات ارتدائه

تخليت عنه شاعرة وكنت لبسته شاعرةربما .  كنت جبانة ومتّبعة  لذلك كانت نصوصي متمردة كأنها محاولتي  الأقوى في الرفض قبل أن أنجح في فك شباك فرضتها على نفسي ولم يفرضها علي أحد
لكني اليوم شاعرة  حرة تماما نجحت عبر الشعر في كسر قيود وضعتها لنفسي جبنا  وخجلا لا مبرر لهما

 

الس 10…أراك قد تحررت بالشعر وفيههل تغطي ضعفك القصيدة أم أنك حرة تونسية طورت القصيدة وتطورت بها؟

المقاربة شائكة جدا،  بعضها أجبت عنه باقتضاب في السؤال السابق

أنا عبدة الشعر أو سجينته أو حبيسته، قد أكون تحررت به أو داخله ولكنه الكائن العجيب الذي سيتبعني إلى القبر دون استثناء

لقد أنقذني الشعر من خجلي وقيود واهنة اتبعتها دون أن انتبه اني كنت فيها أحاصر الكثير من السعادة في حياتي وأخفيها تحت قبة الصمت والقلق والحيرة

القصيدة تفصح عن ضعفي وتبني بلغتها قوتي في رفع الصوت عاليا والمطالبة الواضحة بما تحتاجه حياة الكائن المشوشة.
حين اكتشفت جبروت القصيدة كنت مستعدة لوقوع زلزال يحيد برؤيتي وطريقتي البسيطة في شرح العالم والتعامل معه ومه واقعي.
طورت علاقتي بحريتي من خلال تطوير علاقتي بحرية قصيدتي
الحرية لا تعني التخلص من الاخلاق والقيم ولكنها البحث الحثيث عن الحقيقة دون الاعتداء على طريقة الاخرين في ايجادها.

 

الس 11…ماذا بوسع شاعرة أن تقدم لتونس زمن الثورة؟

 

الشعر أكبر من المتحول السياسي وخياله أوسع من متغيرات المجتمع
ما أحدثته الثورة في تونس يخصّ مجتمعها ونظام عيشه

الشعر تجاوز عقدة السياسة وسطوة البلاط وفوضى المعتقدات
ما أقدّمه لتونس التي لا تعترف بمبدعيها لا ينتمي لمرحلة أو جيل أو فترة تاريخية واضحة المعالم
تلك شؤون المؤرخ الموضوعي أما أنا فأكتب القصيدة التي لا تقف عند أي  متغير سياسي  لأن القصيدة في حد ذاتها كائن متحرك بسرعة ضوئية لا تسمح لنفسه  بالتأثر بمتغيرات العالم السياسي المشوش.

 

مقالات ذات صلة

لقاء حول تثمين التراث الثقافي بمتحف وهران

sarih_auteur

محاضرة تسلط الضوء على تثمين التراث بالتقنيات الحديثة ببجاية

sarih_auteur

محمد علال ضمن لجنة تحكيم النقاد في مهرجان “كان”

sarih_auteur