في عرضه الأول بمهرجان عنابة
عبد المالك باباأحمد
شهد المسرح الجهوي “عز الدين مجوبي”، في إطار فعاليات الدورة السادسة لـ مهرجان عنابة للفيلم المتوسطي، أول أمس العرض الشرفي الأول للفيلم الروائي الطويل “خيط الروح” للمخرج يوسف محساس. العمل الذي استقطب جمهوراً غفيراً، قدّم تجربة بصرية حاولت إعادة حياكة الذاكرة الوطنية عبر رمزية “الخياطة” وتفاصيل الألوان، محاولاً الهروب من بشاعة الماضي نحو أفق من الأمل.
راهن المخرج يوسف محساس في هذا العمل على لغة سينمائية بصرية مبهرة، حيث ابتعد عن السرد التقليدي ليركز على “جمالية المكان”. الفيلم جاء كمتتالية من الكادرات التي تشبه اللوحات الزيتية، واشتغل فيها المخرج بعناية فائقة على التنوع اللوني والديكور الداخلي. إلا أن هذا التركيز البصري العالي جعل البعض يرى أن كفة “الصورة” رجحت على حساب “السيناريو”؛ فجاءت الحوارات في بعض مفاصلها هشة ومباشرة، لم توازِ في قوتها تلك المشهدية العالية التي رُسمت بالكاميرا، مما خلق فجوة بين جمالية الإطار وعمق النص الدرامي.
وفي تعقيبه على هذه التجربة، أوضح المخرج يوسف محساس أن الفيلم كان “مغامرة إنسانية” بدأت منذ عام 2021، مؤكداً أن هدفه كان خلق رؤية حسية تشبه اللوحات الزيتية، مشيداً بفريقه التقني الذي اعتبرهم “شركاء المغامرة” في ترجمة هذا الحلم إلى واقع بصري ملموس.
لعبت النجمة الصاعدة ليديا شبوط دور الفتاة اليتيمة التي تواجه انكساراتها لتصبح “مصلحة أحذية” قبل أن تقودها الأقدار لترميم جراح قرية “كف الطاووس”. ورغم الحضور القوي لشبوط، إلا أن أداءها السينمائي وضعها أمام مجهر النقاد؛ إذ بدا متأثراً بأسلوبها في الدراما التلفزيونية، وكأنها لم تستطع الخروج تماماً من عباءة أدوارها السابقة وبالتحديد دورها في مسلسل “البراني”، حيث غاب التكثيف السينمائي المطلوب لصالح أداء مكرر يشبه ما اعتاده الجمهور منها في الشاشة الصغيرة، وهو ما جعل الشخصية تفتقد لخصوصية السينما التي تتطلب انفصالاً تاماً عن النمط التلفزيوني.
من جهتها، أعربت ليديا شبوط عن فخرها بالعمل، معتبرة أن نجاح الفيلم يكمن في قدرته على نقل إحساس “الرعب” والتوتر دون الحاجة لإظهار الدماء أو الإرهاب بشكل مباشر، وهو ما وصفته بذكاء المعالجة الدرامية التي تداوي الجراح بالصبر والجمال.
تظل القوة الكبرى في “خيط الروح” هي كيفية التعاطي مع حقبة “العشرية السوداء”؛ حيث كسر محساس الصورة النمطية السائدة، مستلهماً أثر الإرهاب من خلال شعور الشخصيات به لا عبر تجسيده المادي. هذا التناول جعل من الإرهاب وحشاً سيكولوجياً يسكن الذاكرة.
وقد عبّر الفنان أحمد بلمومن عن سعادته الغامرة بهذا العرض، مؤكداً أن مشاهدة الفيلم في مهرجان عنابة أنسته مصاعب التصوير التي واجهت الفريق، مثمناً الثقة التي وضعها فيه المخرج يوسف محساس. وفي الختام، يبقى “خيط الروح” محاولة جادة لتقديم سينما تتنفس بالجمال، وتؤكد أن الألوان قادرة على هزيمة السواد، رغم العثرات التي قد تشوب النص أو الأداء في رحلة الانتقال من التلفزيون إلى الشاشة الكبيرة.
