السياحة في عنابة بين سوء التخطيط والاستثمار الارتجالي

كريم بن زيتوني

تجاوزت السياحة تعريفاتها الكلاسيكية التقليدية بأنها كل تغيير للمحيط المألوف خلال فترة زمنية محددة لا تتجاوز غالبا السنة وما يصاحبها من خدمات  لتتحول السياحة لنشاط اقتصادي كامل الأركان و لصناعة قائمة بحد ذاتها فقد قفز عدد السياح من خمس وعشرين مليون سائح سنة 1950 إلى ما يتجاوز المليار سائح بلغ إنفاقهم أكثر من ألفي مليار دولار و بيد عاملة تجاوزت 100 مليون عامل ما يقدم تصورا حقيقيا حول أهمية القطاع السياحي فما هو واقع سياحتنا وموسم الإصطياف على الأبواب

التكوين…حتمية التجديد

كانت الجزائر مركز تكوين سياحي بإمتياز بل أن الجزائر كونت في معاهدها و مدارسها من تيزي وزو لبوسعادة مرورا بالعاصمة عديد النخب التي تحقق اليوم نتائج طيبة في بلدان الجوار وكانت المؤسسات السياحية و الفندقية الوطنية تعرف بتميز خدماتها ورقيها وهذا ما تشهد عليه السجلات الذهبية لفنادق مرموقة و مصنفة بخط يد زعماء ومشاهير عالميين غير أن عدم تحيين البرامج من جهة و سياسة الكل ناجح  عصفت بجدية التكوين و حولته لتكوين قاعدي بسيط لا يتجاوز الأساسيات ما أثر على الأداء العام للقطاع بل أن شروط القبول وطبيعة المسابقات تطرح عديد الأسئلة حول ما نريده فعلا من نتاج وخريجي المعاهد والمدارس ليبقى فتح ملف التكوين حجر الزاوية لقطاع يعتمد في أساسياته على جودة الخدمة واحترافيتها و رقيها .

التسويق و الإعلام….الغائب الأكبر

يتوسع السوق السياحي العالمي بشكل مضطرد و متسارع بعيدا عن الأسواق التقليدية التي تمثلها غالبا أوروبا و أمريكا الشمالية ليشمل أسواق جديدة تعرف بسرعة نموها و مقدرة سواحها الشرائية العالية كالسوق الصيني و السوق البرازيلي و السوق الروسي و أسواق بعض البلدان الإفريقية الناشئة هذه الأسواق التي تبحث بدورها عن وجهات سياحية جديدة غير مستهلكة بأسعار تنافسية و خدمات مقبولة و هذا ما تستطيع الجزائر تحديدا العمل عليه و تحقيقه في حال توفر الإرادة و الإستراتيجية و قبلهما المعرفة و الدراية .

إن ولوج الأسواق العالمية يتخذ اليوم من الترويج الرقمي وسيلة جد فعالة بإعتماد تقنيات محددة غير مكلفة مقارنة بالوسائل الكلاسيكية التقليدية للترويج كالمعارض الكبرى و الإشهار التلفزي و الورقي و التعاقد مع الوكالات و السؤال المطروح هنا هل تساءل مسؤولوا القطاع السياحي وطنيا و محليا مثلا عن غياب إسم الجزائر عند النقر في محركات البحث بحثا عن الوجهات السياحية ؟ هل تساءل مسؤولوا القطاع السياحي عن غياب الجزائر في أهم المحتويات الرقمية السياحة العالمية ؟ هل تساءل المسؤولون عن السياحة عن جدوى ميزانية التسويق و الإعلام التي لم تحقق و بصراحة نتائج تذكر ؟ هل تساءل مسؤولوا القطاع السياحي لماذا لم تتحول معالم وأسماء و مناطق جزائرية لترندات عالمية تغري بالزيارة و تدفع لها ؟ هل تساءل مسؤولوا القطاع السياحي لماذا تغيب هذه الأفكار عن الوزارة و المديريات و الدواوين و الفنادق ؟ أعتقد أن الإجابة عن هذه الأسئلة و زيادة عن كونها تشخيصا للتوجه الرث الكلاسيكي تسويقا و أعلاما فهي تقدم أفاقا و حلولا يمكن البناء عليها في تغيير تسيير القطاع و حوكمته و الرقي به .

المديريات ….الحلقة المفقودة

تحولت مديريات السياحة لما يشبه الإدارات الموسمية التي تشهد حركية صيفا فيما يسمى عبثا موسم الإصطياف و هو موسم الشواطيء لا غير لتعود لممارسة السبات بقية أيام السنة بل أن بعض المديريات تعيش السبات دون إنقطاع و لا تكلف نفسها ضرورة خلق نشاط سياحي بالولايات إعتمادا على الإبداع و الإستغلال الجيد لمقدرات المناطق على تنوعها و تعددها  .

إن المديريات التي تتحول لإدارات بيروقراطية تحصر مهمتها في متابعة الفنادق و النزل و التنسيق مع البلديات لتزويد الشواطيء بالمراحيض صيفا يجب أن يعاد تقييم القائمين عليها و ما حققوه للقطاع بأسرع وقت ممكن لأن السياحة أبعد ما تكون عن هكذا رؤية .

مديريات السياحة و بعيدا عن الدور الإداري البيروقراطي يجب أن تكون واضع إستراتيجيات لمعرفتها البراغماتية بمقدرات و حقائق الولايات كما يجب أن تكون قوة إقتراح لدعم نمو القطاع محليا و وطنيا بل أن المدراء و المكلفين بالدراسات يجب أن يعملوا محليا على خلق و تنفيذ آليات جاذبة للاستثمار الحقيقي بدل دور المترقب لتعليمات الوزارة مركزيا فولايات بمؤهلات سياحية كبرى يغيب عنها مرشد سياحي واحد و لم تستطع أن تدعو فريقا صحفيا واحدا لإنجاز روبورتاجات سياحية تسويقية ترويجية  بل أن مديريات لم تكون مستخدميها أنفسهم لا في اللغات و لا في التسويق و لا في التواصل مديريات لم تحين صفحاتها الفايسبوكية منذ أشهر لا يمكن تصور مقدرتها على  إحياء و بعث السياحية هي ببساطة مديريات تعيش الموت الدماغي و التصحر الفكري والعوز الإبداعي

الاستثمار السياحي…بيت العنكبوت

كثيرا ما اعتبر الاستثمار السياحي الشجرة التي تغطي الغابة بقطاع السياحة إذ أن أعداد الوحدات الفندقية المنجزة بعدد الأسرة المقدر بعشرات الآلاف كان يعتبر إنجازا مهما سيدفع عجلة القطاع لمراحل أبعد من الاحترافية غير أن الحقيقة تؤكد أن ما أنجز لا يرق لا للتطلعات و لا للجودة المأمولتين ولا للقروض العمومية المستهلكة، بل أن العديد من المشاريع ورغم استفادتها من مزايا الاستثمار السياحي الكبيرة لم تتجسد على أرض الواقع متجاوزة بسنوات مدة الإنجاز دون أن يزعج أصحابها أحد بل أن تطهير العقار السياحي يشهد شبه ركودا تاما دون الحديث عن كثير الإختلالات الأخرى ليبقى الاستثمار السياحي بعيدا عن التطلعات المرجوة والجدية المطلوبة والمتابعة المأمولة .

عنابة ولاية ساحلية لا سياحية

تحولت  بونة  ذات المقدرات السياحية الكبرى في السنوات القليلة السابقة لولاية عبور لملايين السياح في اتجاه دول الجوار دون أن يكون لهذه الولايات نصيب و لو ضئيل من هذه الثروة الهائلة التي تغادر أرض الوطن سنويا لغياب إستراتجية واضحة لاستقطاب السائح الوطني والترويج للسياحة الداخلية و لوجهة عنابة تحديدا فعدد ليال المبيت التي يقضيها السائح بعنابة لم تصل لمتوسط ما يقيمه نفس السائح بدول الجوار و بنفس الميزانية ما يعني عجزا تاما على الاستقطاب و التسويق و تغيير التصورات الذهنية و العادات الشرائية على اعتبار الخدمة السياحية منتجا تمسه كل ما أوردنا من تقنيات و بحسب الواقع و المشاهد و التقييم البراغماتي لم ولن يتغير الأمر بغلق الحدود و توجه السائح مجبرا نحو السياحة الداخلية على إعتبار أن جل المرافق السياحية لم تستلم رغم تجاوز بعضها أجال التسليم المتعاقد عليها فعدد الأسرة لم يرتفع رغم ما تقدمه السوق حاليا من تحفيزات كبرى طلبا و سعرا ما سيفتح الباب ككل سنة لسوق مواز يستفيد منه الخواص من أصحاب الشقق الفارهة و طوابق الفيلات المؤثثة مرورا بالغرف المهيأة المخصصة للطبقة الوسطى فوصولا للمرائب متدنية الأسعار و منعدمة الخدمات التي تجمع الشباب و حتى المراهقين من محدودي الدخل, بل أن ما يقدم من خدمات فيما توافر من نزل و فنادق و مركبات على قلتها لم يعد يرق لمتطلبات السائح و الأسرة الجزائرية التي تشترط خدمات أكثر بسعر أقل على غرار ما تشهده جل الدول التي تعتمد السياحة الموسمية الكثيفة دون الحديث عن عوامل طاردة للسائح لم نستطع تجاوزها منذ سنوات كالإطعام و نوعيته و الرقابة الصحية و مخطط النقل و نوعية الحافلات و سلوكيات بعض مشغلي الخطوط و حالة المحطات و عدد الخطوط و إنتشار الحظائر العشوائية و التجارة الفوضوية ناهيك عن نظافة الشواطيء و توافر المياه و برنامج توزيعها و النشاطات الليلة المبرمجة و ضوابط الوقاية و التباعد الإجتماعي بل أن الأدهى هذه السنة تحديدا هو ورش التهيئة التي أطلقتها البلدية و التي وعدت بتسليمها قبل موسم الإصطياف لكنها ستعرف كالعادة تأخرا لن تضبط عقاربه إلا بوعود كلها مبنية للمجهول و التي ستكون علامة فارقة و واسمة لموسم الإصطياف بعنابة تحت شعار موسم الحفر و الإصطياف إذ و حسب مسؤولي بلدية  عنابة فإن الأشغال التي لم تتجاوز 27 بالمئة لأسباب تقنية سيجعل من المستحيل الإنتهاء من كل تلك الورش قبل موسم الإصطياف الذي بات قاب قوسين أو أدنى  .

قدرات متوافرة و إستراتيجيات غائبة

هذه الولايات التي تعرف مشاكل تنموية بالجملة كان بإمكان قطاع السياحة أن يرفع من نسبة التنمية بها بل كان من الممكن أن يتحول لقاطرة تدفع نحو خلق مناصب عمل مباشرة و غير مباشرة عبر مؤسسات المناولة و الخدمات و إحداث طفرة بتعاونيات الصناعات التقليدية و تشغيل المرأة الماكثة بالبيت و الإستعانة بالجامعة و طلبتها كمرشدين  و مروجين و منشطين و مقترحين لكن كل هذا يغيب دون أن يكلف أحد نفسه التساؤل عن المسببات الحقيقية لهذه القطيعة بين القطاع و النخب , كل هذا النزيف يستمر وسط صمت مريب و مطلق دون أن ننجز دراسة واحدة تعمل على تقديم حلول لهكذا إختلالات عميقة و كأن الأمر لا يعني أحدا لتبقى عنابة بقدراتها و مميزاتها تعيش الكسوف السياحي الذي صنعته بلهنية الرؤى و أهتزازات البوصلة .

ربما……

إن القطاع السياحي بقدر ما يقدم من حلول و فرص هامة يطرح في نفس الوقت و الآن إشكالات مركبة يعتمد حل أغلبها على التشخيص السليم لمشاكل القطاع و على الصراحة التامة في إستخدام المصطلح الحقيقي كأن نقول أن القطاع يعيش نكبة تسييرية و ضحالة فكرية و رجعية تسويقية و لا مبالاة محلية و قطيعة علمية غير أن العلاج ليس بالمستحيل لكنه لن يكون حتما بنفس الآليات و التصورات و التقاليد و الوجوه مع ذلك نأمل أن يتحول لقاطرة إقتصادية حقيقية و أكيد أن المستحيل ليس جزائريا ولن يكون .

 

مقالات ذات صلة

سكان الفوضوي يطالبون بالحق في السكن بـ”جمعة حسين” في البوني

sarih_auteur

برامج السكن المتوقع تسليمها في صلب اجتماع موسع بعنابة

sarih_auteur

 137 عونا و40 مركبة للحماية المدنية لتأمين البكالوريا

sarih_auteur