جريدة “الحق” العنابية… صوتٌ مبكر لكسر احتكار الصحافة الاستعمارية

في أواخر القرن التاسع عشر، وبينما كانت الصحافة في الجزائر خاضعة في معظمها لهيمنة الخطاب الاستعماري، بزغ من مدينة عنابة منبرٌ مختلف حمل اسم الحق، وعُرف أيضاً بـ“الحق البوني”. تجربة قصيرة زمنياً (1893–1894)، لكنها كثيفة الأثر، دشّنت أول محاولة إعلامية خاصة لمسلمين جزائريين لكسر احتكار المجال العام والدفاع عن قضايا الأهالي.

تأسست الجريدة في 30 جويلية 1893 على يد سليمان بن بنقي (مديراً)، وعمر السمار (رئيساً للتحرير)، وخليل قايد لعيون. صدرت أسبوعية، وباللغة الفرنسية أولاً، قبل أن تعود في جانفي 1894 ثنائية اللغة (عربية/فرنسية) مع تعريف صريح لهويتها: “جريدة فرنسوية، عربية، سياسية، أدبية في شؤون العرب الجزائريين”.
في بيئة استعمارية كانت الصحافة فيها أداة نفوذ، مثلت “الحق” محاولة واعية لتأسيس خطاب عمومي يُعبّر عن المسلمين الجزائريين، ويُنازع تمثيلهم الرمزي والسياسي.

رفعت “الحق” سقف مطالبها إلى مستوى المساواة في الحقوق والواجبات بين المسلمين والفرنسيين، مع التمسك بالأحوال الشخصية الإسلامية. وانتقدت انفراد المستوطنين بالتمثيل في البرلمان الفرنسي، مطالبة بتمثيل حقيقي للأهالي بدل “الممثلين الصوريين” الذين تعيّنهم الإدارة.
كما فضحت تجاوزات نظام البلديات المختلطة، ووصفت ممارساته بـ“الإقطاعية” لما رأته من تعسف وسخرة واستغلال.

تصدت الجريدة لقانون الأهالي (الأنديجينيا) وما ترتب عليه من غرامات وعقوبات زجرية، وهاجمت مبدأ “المسؤولية الجماعية” الذي كان يعاقب دواراً أو قبيلة بسبب جرم فرد مجهول. واعتبرت هذه الإجراءات مناقضة لمبادئ العدالة، ومصدراً دائماً لإفقار الأهالي وإذلالهم.

نددت “الحق” بالسياسات الجبائية التي أثقلت كاهل الفلاحين، واعتبرت أن الضرائب الباهظة ومصادرة الأراضي أسهمتا في إفلاس صغار الملاك وتحويلهم إلى أجراء في أراضيهم. كما كشفت آليات الديون والربا التي أفضت – بحسب طرحها – إلى تفكيك البنية الاقتصادية المحلية.

وقفت الجريدة ضد التجنيس المشروط بالتخلي عن الهوية الدينية، وهاجمت من رأتهم “مرتدين” سعوا لامتيازات سياسية على حساب الانتماء. وفي المقابل، دافعت عن التعليم باعتباره رافعة نهضة، وطالبت بتعميم المدارس للأهالي بدل سياسات التجهيل.
كما تابعت أوضاع الحجاج الجزائريين، منتقدة سوء المعاملة والعراقيل الإدارية التي تعترضهم.

لم تكتفِ “الحق” بالسياسة، بل رصدت مظاهر الفقر والبؤس وانتشار الأمراض وغياب الرعاية الصحية للأهالي، وتابعت نزوح الريف وهجرة بعض الجزائريين نحو المشرق. وتطرقت إلى قضايا المرأة، مدافعة عن شرفها في مواجهة حملات بعض الصحف الاستعمارية، وموثقة أشكال الاستغلال الاقتصادي والاجتماعي.

أثارت نبرة الجريدة الوطنية الحادة حفيظة الإدارة والمستوطنين. وبعد حملات تحريض صحفية، صدر قرار المنع عن الوالي العام للجزائر آنذاك، Jules Cambon، في 17 مارس 1894، ودخل حيّز التنفيذ أواخر الشهر نفسه، لتتوقف “الحق” بعد نحو 18 شهراً من النشاط.
بهذا، غدت من أوائل ضحايا المنع الإداري في تاريخ الصحافة الجزائرية الخاصة.

على قِصر تجربتها، أرست “الحق” تقاليد خطاب نقدي يدافع عن الحقوق، ويجعل من الصحافة أداة مساءلة وعدالة. لقد مثّلت حلقة مبكرة في تشكّل الوعي الوطني، ومقدمة لمسار إعلامي سيجد امتداداته لاحقاً في صحف الحركة الإصلاحية والوطنية.

“الحق” ليست مجرد عنوان في أرشيف؛ إنها لحظة تأسيسية في ذاكرة الصحافة الجزائرية، خرجت من عنابة لتقول إن الكلمة يمكن أن تكون سلاحاً في وجه الهيمنة.

مقالات ذات صلة

النقابة الوطنية لممارسي الصحة العمومية “تحقن” مسلسل المهاجر

sarih_eco_cult

روح جديد لمعاهد الموسيقى عبر التراب الوطني

sarih_eco_cult

المطبخ الجزائري يتألق عالميا.. “طجين الزيتون” أفضل رابع طبق في العالم

sarih_auteur