بقلم الدكتور: السبتي سلطاني
يمضي رجال الله ويبقى الأثر لا تمحوه الأيام ولا أيادي العابثين، يمضي الرجال إلى حال سبيلهم وقد تركوا خلفهم رصيد هائلا من الأعمال الخالدة المواقف الرائدة التي تحكي مسار البطولة الحقة، هذا حال إمام الجزائر ورائدها نحو الإصلاح الديني والاجتماعي الذي قاده رفقة ثلة من أخيار الأمة التي زعم بعض أعدائها أنّها لم يكن لها أثر قبل مجيء ظلام الاستدمار الفرنسي الغاشم.
ولد عبد الحميد بن المصطفى بن المكي بن باديس يوم 11 ربيع الثاني 1307هـ، الموافق 4 ديسمبر 1889 بمدينة قسنطينة شرقي الجزائر،نشأ في أسرة عريقة ومتدينة ذات مكانة وجاه، كان أبوه محمد المصطفى بن المكي بن باديس حافظا للقرآن الكريم ومن أعيان المدينة، واشتغل قاضيا وعضوا في المجلس الجزائري الأعلى للقضاء، وكانت والدته زهيرة بنت جلول بن علي بن جلول من عائلة عريقة ومحافظة في مدينة قسنطينة، تربت على تعاليم الدين الإسلامي، وكانت محبة للعلم والمعرفة، ومن رجال أسرته المشهورين المعز بن باديس، الذي أعلن انفصال الدولة الصنهاجية عن الدولة الفاطمية، وأعلن فيها مذهب السنة والجماعة، تلقى بن باديس تعليمه الأولي على يد والده في علوم الدين واللغة العربية، ثم على يد الشيخ حمدان الونيسي عام 1903، حفظ القرآن الكريم في الـ13 من عمره، على يد الشيخ محمد بن المداسي، أشهر مقرئ آنذاك بقسنطينة، وانتقل إلى تونس والتحق بعد ذلك بجامع الزيتونة عام 1910، وهناك أكمل تعليمه على مجموعة من العلماء مثل محمد النخلي القيرواني، ومحمد الطاهر بن عاشور، ومحمد الخضر حسين وغيرهم.
وفي عام 1911 نال شهادة “التطويع العالمية” احتل المرتبة الأولى بين طلبة دفعته ثم عاد إلى الجزائر وراح يلقي سلسلة من الدروس في شرح كتاب “الشفا بتعريف حقوق المصطفى” للقاضي عياض في الجامع الكبير بقسنطينة
وجد الشيخ الإمام عبد الحميد بن باديس أنّ شعبه يئن تحت وطأة الجهل والخرافات البدع فآثر البقاء في الجزائر ومساعدة أبنائها من خلال النهوض بالعمل التربوي والإصلاحي رغم أنه تلقى أكثر من عرض للبقاء في المدينة المنورة بعدما سافر إليها وظل بها طيلة ثلاثة أشهر سنة 1913، لكن إيمان الرجل بأهمية إصلاح واقع شعبه واقتناعه بأهمية إعادة بعث أمته من الرماد كما العنقاء دفعه إلى العودة إلى أرض الوطن وقيادة أعظم جمعية أخرجت للناس، وكان لها الأثر البالغ في تدمير مخططات الاستعمار البشعة ونواياه الخبيثة التي تقوم على طمس هوية الجزائريين وتدمير كل ما يربطهم بفضائهم الثقافي الأصيل.
عاد الرجل بعزيمة الأشاوس وإرادة الأبطال نحو خلق غد أفضل وأجمل يعيشه أبناء بلده في كنف قيمهم الدينية الثقافية التي كانت على شك الانهيار بمعاول الهدم والتدمير، عاد ليحارب على العديد من الجبهات التي كانت تترصد خطواته، وتبحث عن زلاته، وتوقد نيران الفتنة والفرقة بين أبناء شعبه، عاد ليرسم لهذا الوطن سبيل الخلاص ويمنحه طوق النجاة بعيدا عن إكراهات المستدمر ورضوخ شيوخ الطرقية الذين وجد فيهم المستعمر ضالته التي تمكن له في أرض العروبة والإسلام.
نحتفي اليوم بذكرى رحيل هذا الرجل، رجل الدنيا وواحدها الذي زرع ثمارا فأينعت وربت ومنحتنا من رحيقها رحيق الحرية باهظ الثمن، رحل ولسان حاله يقول:
هذا نظام حياتنا بالنور خــــــط وبالـــــــــلهب
حتى يعود لقومنا من مجدهم ما قد ذهب
هذا لكم عهدي به حتى أوسد في الترب
فإذا هلكت فصيحتي تحيا الجزائر والعرب
سئل ذات مرة الإمام عبد الحميد بن باديس عن سر إحجامه عن تأليف الكتب وهو البليغ الفصيح القادر على تأليف مئات الكتب دون كلل، فأجاب إجابة الرجل العالم المدرك حقيقة رسالته الكونية، بأنّه كُلّف بصناعة الرجال قبل صناعة الكتاب وهو محق في ذلك كل الحق، لأن صناعة الكتاب قد تقتضي جهد ليلة أو بعض ليلة أمّا صناعة الرجال فتقتضي سواد ليل المرء ونهاره وبياض ليله ونهاره أيضا، وهو ما عكف عليه إمام الأمة طيلة حياته عبر إنشاء المدارس في كل ربوع الوطن، وتعليم الناشئة بالنهار كبار السن بالليل.
رحل الرجل وترك جيشا من المتشبعين بقيم الأمة وثوابتها، رحل وترك أجيالا من المتعلمين والمتمسكين بقيم الأمة، فأدّى الأمانة وبلّغ الرسالة على أكمل وجه، وفي ذلك يقول عنه رفيق دربه وأقرب الناس إليه الشيخ العلامة محمد البشير الإبراهيمي: ” إنّه باني النهضتين العلمية والفكرية بالجزائر، وواضع أسسها على صخرة الحق، وقائد زحوفها المغيرة إلى الغايات العليا، وإمام الحركة السلفية، ومنشئ مجلة (الشهاب) مرآة الإصلاح وسيف المصلحين، ومربّي جيلين كاملين على الهداية القرآنية والهدي المحمّدي وعلى التفكير الصحيح، ومحيي دوارس العلم بدروسه الحيّة، ومفسّر كلام الله على الطريقة السلفية في مجالس انتظمت ربع قرن، وغارس بذور الوطنية الصحيحة، وملقّن مبادئها على البيان، وفارس المنابر، الأستاذ الرئيس الشيخ عبد الحميد ابن باديس، أول رئيس لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين…”
رحم الله إمام الأمة الشيخ عبد الحميد بن باديس وأسكنه الفردوس الأعلى وجزاه عن الجزائر والجزائريين خير الجزاء… سلام.
