أوراق الخميس: بوبكر محمد لخضر: والدرة المصونةالتي خطّتها مجاذيف سفينة بونة
بقلم الدكتور: السبتي سلطاني
هالني أن أرى الصديق الباحث في التراث المحلي لمدينة عنابة وموسيقى المالوف العنابي الأستاذ محمد لخضر بوبكر وهو يمشي رويد رويدا في بهو قاعة العرض لتكريمه من قبل والي ولاية عنابة بمناسبة احتفالية شهر التراث التي أقيمت في الواحد والعشرين من شهر أفريل الماضي، حيث تقدّم متكئا على عكازه ليتلقى شهادة تكريمه على ما بذله من جهد في سبيل الحفاظ على تراث المدينة ومآثرها عبر إسهاماته الفعالة في دراسة وتثمين التراث المادي وغير المادي لهذه المدينة التي تنام على كنوز من التراث الثقافي الزاخر وفي مختلف الفنون.
كانت معرفتي بالصديق محمد لخضر بوبكر في مرحلة الدراسة الجامعية بقسم اللغة العربية وآدابها بجامعة عنابة، حيث عرفته نشيطا حيويا يقول كلمته ولا يخشى في ذلك لومة لائم، ثم مرّت الأعوام وبعد تخرجنا جمعتي به الاقدار في المسار المهني فاشتغلنا سويا بقطاع التعليم الثانوي بثانوية وادي زياد، حيث عرفته عن قرب وعرفت فيه رقة مشاعره وطيبته التي لا تضاهى، بل وجدت فيه ذلك الصديق الوفي لأهله وذويه والوفي لكل ما يربطه بالماضي الحميم، وما زلت أذكر لحد ليوم حادثة تعكس نبله ووفاءه لجدته، حيث ظل الرجل يستعمل مئزرا كان هدية منها في أولى أيامه بالتدريس، وظل محافظا على ذلك القميص حتى بعد رحيل المرحومة جدته إلى أن بلي وصار غير قابل للاستعمال، غير أن إصراره على ارتدائه جعل إحدى الزميلات تقرر تمزيقه لأنه في اعتقادها لم يعد يعكس صورة الأستاذذي السمت المميز، وما إن اكتشف الأمر حتى أجهش بالبكاء فتساءلنا جميعا عن سر ذلك البكاء غير الطبيعي فأخبرنا قائلا: ” إنّه من رائحة الجدة رحمها الله –” كان هذا هو محمد لخضر الإنسان الوفي لماضيه ولأجداده بل ولمدينة بونة التي ترأس فيها جمعية تلاميذ وأحباب حسان العنابي وهي جمعية آلت على نفسها أن تعرّف بالتراث المحلي من خلال الاهتمام بالموسيقى الأندلسية و مختلف الطبوع الغنائية الجزائرية من حوزي وعروبي وزجل ومديح دينيمرورا بالموسيقى الشعبية، كما اهتمتهذه الجمعية التي أشرف عليها الأستاذ محمد لخضر ( في تقرير إعلامي لجريدة التحرير08/04/ 2024) بجمع المخطوطات و الكتب التي تجمع صلحاء بونة خاصة أن هناك 100نص شعري مغنى قديما بالمدينة يتعلق بأضرحة الأولياءوالأقطاب والصلحاء،منها مدحة سيدي علي الفضلان،مدحة سيدي حميدة،سيدي عمار،فضلاء الشابية، و رجال البحرية و هي طقوس غنائية ترددها فرق خلال حفلات الختان والأعراس ليضيف الفنان بوبكر أن هذه النصوص الغنائية أدخلت عليها بعض التعديلات منها الموسيقى المرتبطة بالألحان العصرية وهذا ما أدى إلى اندثار التراث الغنائي الذي تركه الفنان حسان العنابي ووجوه فنية قديمة، لأنّ هذه المكونات الغنائية تدخل في الشخصية التاريخية لبونة و من بين شيوخ المالوف القدماء بعنابة نجد الشيخ جاب الله بن ساعد المولود في 1862،الشيخ الفرجيوي1862، شيخ الكرد 1895،شيخ حسن أحمد 1920إلى جانب الفنان الراحل حسان العنابي حيث تم طبع كتاب عنوانه مجاديف السفينة في مشايخ و فناني بونة المدينة و فيها تم ذكر هذه الأسماء الفنية إلى جانب تناول مسارهم الفني منذ سنة 1800، و ذلك على مدار قرن و ربع وحسب الفنان بوبكر فإن هذا الكتاب يتطرق إلى الغناء الشعبي و البدوي و حتى العيساوة و الفقيرات و ما يتبعها من لواحق فنية مستوحاة من بونة .
ومن إسهامات الأستاذ بوبكر محمد لخضر حرصه الشديد على ترك مؤلفات مكتوبة تحتفي بالتراث الثقافي لمدينة بونة حيث نشر سنة 2012 كتاب: “مجاذيف السفينة في فناني ومتصوفي بونة المدينة” عن دار الوسام العربي، ثم أسهم رفقة الأستاذ سعيد دحماني المدير الأسبق لمتحف بونة في تحقيق كتاب: “الدرة المصونة في علماء وصلحاء بونة” الذي ألّفه أحمد بن قاسم البوني.
ختاما يشكل حضور الأستاذ الباحث محمد لخضر بوبكر علامة فارقة في سماء البحث العلمي في مجال التراث الثقافي بمدينة عنابة من خلال العديد من المنابر التي اعتلاها هذا الرجل الذي مع الأسف طاله المرض وصعب عليه مهمة الغوص في تراث المدينة الزاخر.
شفى الله الأستاذ والصديق محمد لخضر وأدام عليه نعمة الصحة والعافية… سلام.
