بقلم الدكتور: السبتي سلطاني
يكتب شاعر بونة محمد الصالح بن يغلة القصيدة العربية الراقية قبل أن تكتبه، يعشق الرجل الشعر، يتنفسهكما الهواء، فيصنع من ذاته نصا شعريا يباهي به غيره من الشعراء الذين ملكوا ناصية القصيدة التي لا تنقاد إلا لمن يمنحها الحب والنقاء، هكذا هو الشاعر والأديب محمد الصالح بن يغلة، يمنح من نفسه ومن قلبه ومن ماله لإعلاء الكلمة العذبة الرقيقة الرقراقة لشيء الكثير.
عرفت الرجل قبل بداية الألفية في قطاع التربية والتعليم، ووجدت فيه ذلك المربي الملتزم الوقور المحترم لمهنته مهنة الأنبياء والأتقياء، عرفته مربيا مقتدرا لا يكتفي بتقديم الدرس بطريقة جافة رتيبة بل بأسلوب فني شيق، يجعل التلاميذ يعشقون اللغة قبل أن يحفظوا قواعدها، بل يدفعهم بكل حب إلى حفظ نفائس الشعر وما تجود به قرائح الشعراء من كلمات عذبة جميلة تربي الذائقة على أنفس الكلمات وأعذب العبارات، عرفته معلّما في مدرسة لا تختلف كثيرا عما في مدارس الوطن من نقائص وصعوبات جمّة، لكنه رفع التحدي وقدم لأبنائه المتعلمين من ذاته وجهده ما يدفع إلى التقدير والاحترام لأنّه يؤمن أن رسالة التعليم لا تقل قداسة عن رسائل الأنبياء، انتقل من مؤسسة إلى أخرى كما النحل يصنع الشهد والعسل المعرفي الحقيق بتنشئة أبنائنا على حب الوطن واللغة والدين، وحيثما حل الرجل اجتهد بما لديه من طاقات وإمكانيات من أجل أن ينشئ جيلا من الرجال والنساء الذين تعتز بهم الأمة.
لم يكتف الشاعر محمد الصالح بن يغلة بفضاء القسم والمدرسة الذي لم يكن ليمنحه مساحات أرحب لإبداعه، بل انخرط في الفضاء الثقافي على مستوى مدينة عنابة فكان من أنشط المثقفين بما كان يطرحه من أفكار ونشاطات ثقافية جادة ومفيدة، فانضمّ إلى قصر الثقافة والفنون مؤسسا ناديا للإبداع الأدبي، كوّن من خلاله مجموعة من الأدباء والشعراء على قواعد علمية رصينة، لأن محمد الصالح يؤمن أنّ الإبداع الأدبي إن لم يتم تحصينه بالمعرفة العميقة بقواعد اللغة والشعر سيظل من دون فائدة ترجى، لذلك شكّل خلية إبداعية على مستوى قصر لثقافة والفنون في عهد المدير والصديق رشيد سعيدي لتعليم المبدعين الشباب القوانين التي يجب أن ترتكز عليه القصيدة الشعرية، ولم يكتف الرجل بذلك بل أسس رفقة مجموعة من المبدعين والأدباء على مستوى مدينة عنابة جمعية الضاد للنشاطات الشبانية للأدب الواعد وعمد من خلالها إلى تشجيع الأدباء الشباب الواعدين، وقدّمت هذه الجمعية العديد من الأسماء الشابة المبدعة.
ألّف الشاعر محمد الصالح بن يغلة العديد من الدواوين الشعرية وكان حرصا كل الحرص في ذلك على سلامة اللغة ومتانة الأسلوب وضبط الإيقاع وفق موازين شعرية دقيقة، ولم يكتف بالإبداع على الأوزان الخليلية بل عمد إلى الكتابة على أوزان شعر التفعيلة والشعر المنثور فأبداع في العديد من القصائد الشعرية الراقية.من أبرز مؤلفاته نجد: أحبك من قريب، أحبك من بعيد، ميراث الشهداء… إلخ.
وتحصل الشاعر محمد الصالح بن يغلة على العديد من الجوائز الوطنية من مشاركاته في العديد من المسابقات الوطنية التي حضرها بقصائد تعكس روح الإبداع في أسمى تجلياته، بل إن الرجل لا يفوت الفرصة للتغني بحبه لهذا الوطن وعشقه لأرض الشهادة والشهداء فلسطين الحبيبة التي يقول عنها:
قـومـي فـلـسطينُ الـصَّـباحُ مـهيبُ
والشَّمسُ إن سطَعتْ فليسَ تغيبُ
واسـتبشِري يـا شـامُ ذاكَ مخاضُها
فـالـضَّـوءُ فــيـكِ لـمُـنـجَبٌ ونـجـيبُ
واجْني عراقُ بسعْفِ نخلِكِ موسمًا
فــغــدُ الــبـلادِ بـرافـدَيْـكِ قـشـيـبُ
هذا هو الشاعر المميز محمد الصالح بن يغلة الذي يكتب القصيدة وكأني به ينحتها من صخر، يعمل دوما على أن يجعل من نصه سامقا ساميا في دلالته والقضايا التي طرقها في شعره، لا يتردد عن البحث في مضان اللغة وقواميسها ومجلداتها للكشف عن ظلال الألفاظ وإسقاطاتها النفسية، كي يقدّم نصّا يعكس روحا وثابة للتألق والإبداع.
