أنت ممنوع من المشي .. ولو لم تلتزم بتوجيهاتي سيخترق عظم ساقك الحافر، سأكون صريحا معك، الـ 10 السنوات القادمة ستكون صعبة عليك … هذا ما قاله طبيب العظام صبيحة اليوم للشاب عبد حفيظ مرسى، ما اضطره للتوقف عن بيع الشاي في محور دوران حي الريم بعنابة، وإنهاء مشروع بدأه قبل أسبوع فقط.
بعد أن تتجاوز عشرات الدكاكين المتقابلة بمدخل حي الريم، تصادف محور دوران كبير تتناثر فيه كراسٍ وشجيرات، يجلس تحتها السي حفيظ، لا يقابله الشيء الكثير، طاولة قابلة للطي زرقاء اللون، تنتصب فوقها طرموسة تاي وبعض الأكواب الورقية، تتوسطهما علبة سكر لمن يريد تحلية شايه .. هذا هو مشروع عبد حفيظ مرسى، خريج كلية الآداب واللغات بجامعة باجي مختار عنابة، حائز على درجة الماستر 2 في تخصص اللسانيات، من ذوي الاحتياجات الخاصة، مصاب بإعاقة حركية على مستوى القدمين.
يقول حفيظ في حديث له مع الصريح:
حتى وإن نجحت في مسابقة التعليم، فأنا لا أستطيع ممارسته بسبب عجزي عن الوقوف والمشي، فكما تعلم أنا ممنوع من ذلك بقرار من الطبيب .. ناهيك عن عناء التنقل من وإلى المدرسة، خاصة وأني لا أملك وسيلة تعينني على قطع مسافات الألم، فكل خطوة لي تعني اختراق العظم للحافر ..
يرفع حفيظ جوربه قليلا على استحياء، ثم يثور وينزع الحذاء كله، ويرمي الجورب جانب .. لأرى دون الحاجة لأشعة أو عتاد طبي .. مفصلا ذاب كما يذوب السكر في الشاي .. وعظمة ساق تصر على الخروج لهذا العالم من بوابة الحافر …
يكمل حفيظ، كنت قد سلمت لمصالح مديرية التضامن الاجتماعي بعنابة ملفا للحصول على دراجة لذوي الاحتياجات الخاصة منذ 5 سنوات تقريبا .. ولكنه قوبل بالرفض، كلي أمل في أن يتم الاستماع لانشغالي .. الدراجة تعني لي الكثير، تعني لي حرية التنقل وتقليص معاناة الـ 10 سنوات القادمة .. قد تعني لي فرصة عمل حر، أنا لا أطالب بمنصب عمل، أنا أطالب بتهيئة الظروف كي أبدأ في ممارسة عملي الخاصة، فأنا أهوى التجارة، وكي أكون صريحا معك، لقد استفدت سابقا من دراجة من إحدى الجمعيات، لكنها توقفت عن العمل منذ أشهر، ولم أستطع تصليحها لأسباب يعرفها الميكانيكي.
يسود صمت تكسره رشفات الشاي الأخير، على طاولة تظلها زهور الدفلة التي لا تطلق أية رائحة .. يقول حفيظ: إلى متى يدوم الوالدان؟ لا أريد أن أكون عبئا على إخوتي في المستقبل .. أريد تأسيس حياة لي وأن أتحمل مسؤوليتي لوحدي .. وأظنني أستحق ذلك.
يطوي حفيظ طاولته، ومشروعه الصغير الذي مات في المهد بسبب حالته الصحية وغياب الدراجة .. يمضي صوب الـ 10 سنوات القادمة بخطى آملة، وصبر يمنع العظم من اختراق الحافر، ويقول ختاما، وأو بداية لفصل أجمل .. ما عساي أن أفعل، إنه قدري ..
فهل هو قدره حقا؟
