ركزت زيارة وزيرة الثقافة والفنون، مليكة بن دودة الأخيرة إلى الأغواط على إعادة الاعتبار للهياكل الثقافية، وتعزيز الاستثمار الخاص في المجال الفني، إلى جانب حماية الذاكرة الأثرية للمنطقة وتكريم رموزها الإبداعية.
واستهلت الوزيرة زيارتها بمعاينة قاعة السينما العريقة “مزي” وسط مدينة الأغواط، حيث وقفت على وضعيتها التقنية تمهيدا لإعادة فتحها واستقبال الجمهور من جديد، وفي خطوة اعتُبرت مؤشرا على التحول نحو مقاربة اقتصادية لتطوير الصناعة السينمائية، قامت الوزيرة بتسليم رخصة استغلال تجاري للقاعة لمتعامل خاص وفق دفتر شروط، في تجربة نموذجية تهدف إلى توسيع شبكة قاعات العرض عبر الوطن وتنشيط الحركة السينمائية على المستوى المحلي.
وفي محطة أخرى ذات بعد تاريخي، أشرفت بن دودة بقصر “تزقرارين” على تدشين المركز التفسيري لحظيرة الأطلس الصحراوي، والذي يضم لقى جيولوجية وأثرية نادرة توثق لمراحل تاريخية عميقة شهدتها المنطقة عبر العصور.
وفي سياق تثمين التراث وتحويله إلى عنصر جذب ثقافي وسياحي، تم التنسيق مع السلطات المحلية وعلى رأسها الوالي محمد بن مالك، من أجل تخصيص الحديقة النباتية المحاذية للحظيرة لفائدة قطاع الثقافة والفنون، بهدف إنشاء متحف متخصص يعرض المكتشفات والحفريات الأثرية التي تزخر بها الأغواط.
وشملت الزيارة معهد الموسيقى بالولاية، حيث تفقدت الوزيرة مختلف الفضاءات البيداغوجية والخدماتية، مع التركيز على الإقامة الخاصة بالطلبة.
وأمرت بالإسراع في إعادة تأهيل وتهيئة الإقامة الداخلية لضمان جاهزيتها مع الدخول الجامعي المقبل، بما يسمح باستقبال الطلبة والمواهب الشابة في ظروف مناسبة.
كما عاينت الوزيرة مشروع إعادة تهيئة دار الثقافة “عبد الله بن كريو”، واطلعت على نسبة تقدم أشغال العصرنة والتجهيز، قصد تمكين المؤسسة من احتضان الفعاليات الثقافية الكبرى وفق معايير تليق بالجمهور وضيوف الولاية.
وفي إطار ترقية القراءة العمومية، زارت بن دودة المكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية “الشيخ البشير الإبراهيمي”، حيث أشرفت على تزويدها بحصة معتبرة من الكتب والعناوين المتنوعة دعما للمقروئية وتوسيع الرصيد الثقافي لفائدة القراء.
وفي خطوة تهدف إلى ضخ دماء جديدة في الركح الأغواطي، أعلنت الوزيرة عن تعيين الفنان القدير “هارون الكيلاني” مديرا فنيا للمسرح الجهوي للأغواط، مراهنة على الطاقات المحلية لتطوير الفن الرابع.
وخصصت الوزيرة وقفة عرفان وتكريم لنخبة من الفنانين والمبدعين الذين أثروا الساحة الثقافية الوطنية والمحلية بأعمالهم الخالدة، وهم الحاج براهيم خليلي، محمد شتيح، فاطمة مي غول، قربوز هارون الكيلاني، أحمد بوعزة، فاطمة فال العمارية، بن سايح أحمد وطارق صغير.
وتوجت هذه الزيارة بإشراف الوزيرة بالمسرح الجهوي المجاهد “بلقاسم فنطازي” عل إعطاء الطبعة 12 للمهرجان الدولي للسماع الصوفي،وهي التظاهرة الدولية التي تؤكد مكانة الأغواط كعاصمة للروحانيات، والجمال، والفكر الأصيل، وتترجم جهود الدولة في جعل الثقافة آلية للتنمية المستدامة والمواطنة.
وفي كلمتها بالمناسبة، كشفت وزيرة الثقافة والفنون، عن توجه إصلاحي تعمل عليه الوزارة لإعادة تنظيم المهرجانات الثقافية، من خلال منحها بعدا اقتصاديا إلى جانب بعدها الثقافي والفني، بما يحقق التكامل والنجاعة في مختلف الفعاليات.
وأوضحت الوزيرة أن هذا التصور يأتي تنفيذا لتوجيهات رئيس الجمهورية الرامية إلى الارتقاء بالفعل الثقافي وحماية التراث وإدماج المقدرات الثقافية في المسار الاقتصادي.
وأفادت بن دودة، بأن هذا الموعد الثقافي والروحي يشكل “فرصة جماعية للعلو بالروح والارتقاء في مقامات المحبة”، مشيدة بما تزخر به الجزائر من امتداد روحي وتاريخي مرتبط بالتصوف والزوايا، وأشارت إلى أن مهرجان السماع الصوفي “يجمع بين الفن الراقي والتطهير الروحي وتوليد المعاني الإنسانية الرفيعة”، مؤكدة أن هذا الفن “يسهم في تعزيز قيم التواصل الإنساني بين المنشدين والفنانين القادمين من مختلف أنحاء العالم”.
كما ثمنت الوزيرة جهود والي الأغواط، محمد بن مالك وكافة القائمين على التظاهرة، مشيدة باختيار “الشيخ الشهيد سيدي موسى بن الحسن الدرقاوي” شخصية للطبعة الحالية، باعتباره “رمزا للجمع بين مقتضيات الجهاد وضرورات العلم”.
من جانبه، أوضح محافظ المهرجان، أحمد بن الصغير، أن الطبعة الثانية عشرة المنظمة إلى غاية 18 مايو الجاري تحمل اسم “الشيخ الشهيد سيدي موسى بن حسن الدمياطي الشاذلي”، فيما تحل جمهورية مصر ضيف شرف لهذه الدورة تكريسا للعلاقات التاريخية والروحية بين البلدين، وأشار إلى أن شعار الدورة جاء تحت عنوان “السماع الصوفي.. ألحان الذوق والعرفان ومعاني السمو والإيمان”، بينما استلهم الشعار الرسمي رموزه من الموروث المحلي الأغواطي، متضمنا صورة الشيخ سيدي موسى بن حسن، ورمز “الخمسة” الدال على السلام وأركان الإسلام، إلى جانب مئذنة من مآذن القاهرة المملوكية في إشارة إلى دولة ضيف الشرف.
وتتوزع فعاليات المهرجان بين المسرح الجهوي المجاهد “بلقاسم فنطازي” ودار الثقافة “التخي عبد الله بن كريو” ومركز البحث في العلوم الإسلامية والحضارة والمعهد الجهوي للتكوين الموسيقي، حيث تشمل التظاهرة سهرات فنية دولية ووطنية وندوات فكرية وورشات تكوينية ومعارض للصناعة التقليدية والحرف، إضافة إلى جولات سياحية نحو عين ماضي وقصور ميزاب بولاية غرداية.
ويعرف المهرجان مشاركة واسعة لـ 21 دولة إلى جانب الجزائر، من بينها ليبيا وتونس وفلسطين وتركيا وإيطاليا وكندا، مع تسجيل مشاركة دول لأول مرة على غرار ألبانيا وإيطاليا وإسبانيا وإستونيا، فيما يقدر عدد المشاركين بأكثر من 350 مشاركا، بينهم 105 أجانب، وسط توقعات باستقطاب أكثر من 15 ألف زائر ومتفرج.
