على خطى دردور: بونة أم عنابة؟

في كتابه “عنابة: 23 قرنًا من الوجود”، يفتح المؤرخ حسن دردور نافذة واسعة على ذاكرة مدينة عريقة، حفر في طبقاتها التاريخية بصبر الباحث ودقة المؤرشف. ومن هذا الكتاب تنطلق سلسلتنا الجديدة “على خطى دردور”، التي نقتفي فيها أثر هذا المؤرخ في تدوينه لسيرة عنابة، حلقة بعد حلقة، مستندين في كل مرة إلى ما أورده في مؤلفه من وقائع وتحليلات وشهادات. وتكون البداية، كما بدأ هو كتابه، من سؤال الاسم: بونة أم عنابة؟

يذكر دردور أن كثيرًا من أبناء عنابة إلى اليوم يرفضون نطق اسم مدينتهم الرسمي، ويفضلون عليه اسمًا آخر توارثوه عن آبائهم وأجدادهم: بونة. فإذا سألت أحدهم عن مسقط رأسه، بحسب دردور، فالغالب أن يجيبك دون تردد “بونة”، لا “عنابة”، التي لا تعني عنده أكثر من الحي الشعبي الممتد شرق ساحة 19 أوت 1956، والمرتفع فوق تلة “العنّاب” المطلة على البحر. أما بونة، في وعيه الجمعي كما يصفه دردور، فهي المدينة بكل امتدادها، من العلاليق إلى رأس الحديد، بكل ما تحمله من تاريخ وذاكرة.

ويشير دردور إلى أن هذا الإصرار الشعبي على اسم “بونة” ليس مجرد تعلّق عاطفي عابر، بل يستند إلى شواهد تاريخية راسخة. فاللوحات التذكارية المنتشرة في أرجاء المدينة، وبعضها يتجاوز عمره القرن بحسب ما يورده، ما تزال تحمل بحروف عربية واضحة اسم “بونة”. كما يلفت إلى أن كبار المؤرخين والجغرافيين العرب الذين كتبوا عن المدينة عبر العصور، من ابن خلدون والبكري إلى ابن بطوطة والإدريسي وابن حوقل، مرورًا بالحسن الوزّان المعروف بـ”ليون الإفريقي”، استخدموا جميعًا اسم “بونة”، ولم يلجؤوا إلى “عنابة” إلا نادرًا.

من أين جاء اسم “بونة”؟ دردور يستعرض التفسيرات

ينقل دردور اختلاف الباحثين حول أصول الكلمة وتفسيراتها اللغوية. فبينما ذهب فريق من الباحثين، كما يورد، إلى أن التسمية الأصلية “هيبونة”، التي اشتُقت منها لاحقًا “هيبون”، تحمل معنى الخليج أو الجون أو الملجأ، يذكر أن فريقًا آخر من المؤرخين المغاربة رجّح تفسيرًا مختلفًا، مفاده أن الكلمة تحوير لثلاثة مقاطع فينيقية: “هي” وتعني الأبقار، و“بو” وتعني الوفرة، و“نا” وتعني السوق. وبذلك يكون معنى الاسم الكامل، بحسب هذا الطرح الذي يتبناه دردور، “سوق الوفرة”، في إشارة إلى غزارة الثروة الحيوانية التي كانت تشتهر بها المنطقة.

ويستشهد دردور، نقلًا عن المؤرخ عثمان الكعاك، بنظائر لهذا النمط من التسمية في مدن أخرى، مثل برشلونة ونربونة ومازونة، التي تحيل أسماؤها بدورها إلى أسواق متخصصة: سوق المعادن، وسوق الفخار، والسوق المتوازن.

ويتتبع دردور مسار تحوّر الاسم عبر الحضارات المتعاقبة على المدينة: من “هيبونة” إلى “أُبّون” عند الرومان، ثم “هيبو” و“هيبون” عند الوندال والبيزنطيين، قبل أن يستقر عربيًا على “بونة”، محافظًا على جذره الأساسي. أما الفرنسيون، فيوضح دردور أنهم أضافوا إلى الاسم، خلال فترة الاحتلال، لاحقة توافق نطقهم، فولد اسم “بون”.

قرار 1963 في رواية دردور: حين سقط الاسم من الخريطة الرسمية

يروي دردور أنه رغم هذا الرصيد التاريخي العريق الذي يمتد لخمسة وعشرين قرنًا، فإن اسم “بونة” لم يصمد أمام قرار إداري. ففي سنة 1963، وفي جلسة للمجلس البلدي، تقرر إقصاء الاسم نهائيًا واستبداله بـ”عنابة“. ويرجّح دردور أن الدافع وراء هذا القرار كان الرغبة في القطيعة مع اسم “بون” الذي استخدمه الفرنسيون، والذي كانت الدعاية الاستعمارية قد روّجت من خلاله، خطأً كما يؤكد، لفكرة أن المدينة من تأسيس فرنسي.

مطلب لم يتحقق بعد، كما يختم دردور

يشير دردور إلى أنه منذ سنة 1965، حين تبنّت المجالس الشعبية البلدية مهمة إحياء الذاكرة الثقافية للمدينة، ظل مطلب رد الاعتبار لاسم “بونة” حاضرًا، ولو بشكل رمزي: تسمية شارع أو ساحة باسمها، أو إبرازه على لافتات المحلات التجارية. غير أن هذا المطلب، الذي يصفه دردور بأنه تكريم يليق بذاكرة مدينة قاومت 132 عامًا من الاستعمار وسبع سنوات ونصف من المجازر، لا يزال بحسبه ينتظر التفعيل الفعلي على أرض الواقع.

عبد المالك باباأحمد

مقالات ذات صلة

هل كانت استشارة ترميم “حصن المعدومين” بعنابة محكومة بالفشل منذ البداية؟

sarih_eco_cult

وفاة الفنان عبدو سكيكدي… الوسط الفني العنابي يفقد أحد أصواته

sarih_eco_cult

مسرحية “حسناء والوحوش” .. سؤال الأخلاق والأزمة

sarih_eco_cult