مسرحية “التايهة” .. لجام أخلاقي لشرور الإنسان

رفعت جمعية مبدعون بلا حدود، عشية أول أمس وعلى ركح المسرح الجهوي عز الدين مجوبي، الستار عن أحدث أعمالها الموسومة بـ”التايهة”، إخراج يزيد مسعي، وتمثيل كل من حمزة فوزي المدعو فوفو، سفيان دار زحاف المدعو بيبو، سمير مرنيش وأمين لعابد، إحياء للذكرى الـ64 لعيدي الاستقلال والشباب.

تبدأ أحداث المسرحية داخل السجن، حيث يجتمع كل من ساسي الذي أدى دوره بيبو وحميد الذي أدى دوره سمير مرنيش والمحامي الذي أدى دوره أمين لعابد، ليدخل عليهم عزو المغترب الذي أدى دوره فوفو.. وفي تلك اللحظة يجد الممثلون أنفسهم مضطرين لتبرير تلك العودة للجمهور، فمن هو عزو؟ ولماذا عاد؟ ولماذا هم في السجن؟ كل تلك الأسئلة تبقى عالقة في ذهن المتفرج محافِظةً على متانة حبل تركيزه باقي زمن المسرحية.

ولإدخال المتفرج في صلب العمل المسرحي، اعتمد المخرج يزيد مسعي على تقنية سينمائية، هي تقنية الفلاش باك، وأعادنا بذلك إلى زمن ما قبل السجن، أي إلى الأسباب الأولى، والتي تمثلت في تخطيط حميد بمعية عزو وساسي للخروج من وضعيتهم البائسة، ليقوموا في نهاية المطاف بالسطو على منزل الجار حفيظ والتمكن من خزنته.. خزنة لم تتضمن في داخلها المال فقط، بل أسرارًا تلاعب بموازين العلاقات بين شخوص المسرحية.

وبالحديث عن شخوص المسرحية، تميزت “التايهة” بتركيبة متنوعة، فنرى حميد الشاب الطموح الذي يملك رغبة فنية جامحة، ويبحث عن سبيل لإخراجها فيصطدم بالواقع المرير، كما نرى ساسي المجرم الذي يختبئ وراء توبته ويمارس الرياء من خلال ادعائه أنه يريد بناء مسجد بأموال عملية السرقة، وعزو الذي يحاول التقرب من حميد من أجل الزواج بشقيقته والتمكن من جميع الأموال ثم الهروب لخارج الوطن، كما يلعب المحامي دورًا هامًا في المسرحية باعتباره المعادل الموضوعي للمتعلم الفاسد الذي يستغل علمه لأغراض دنيئة.

رغم قالبها الكوميدي، استطاعت مسرحية “التايهة” أن تضع الجمهور أمام نماذج إنسانية من قلب الواقع، نماذج تقودها الرغبة والأنانية مولّية ظهرها لكل ما تمثله الإنسانية من قيم التكافل والتآزر.. “التايهة” لم تكن مجرد مسرحية كوميدية تقدم الفرجة فحسب.. “التايهة” كانت درسًا للتعرف على أسباب فقدان الإنسان لإنسانيته.. “التايهة” كانت مسرحية تنعي الإنسان في شكله المعاصر.. الإنسان الذي ابتلع نفسه.

تميزت المسرحية أيضًا بازدواجية خطابها، الأول للعامة من متفرجي المسرح والذي عالج القضايا الإنسانية آنفة الذكر، والثاني موجه للخاصة، أو لنقل خاصة الخاصة، حيث تطرقت المسرحية لبعض التحديات التي يواجهها الفنانون على غرار الوضعية المادية البائسة وعدم تساوي الفرص في الكاستينغ وغيرها، كأن المسرح بات وسيلة لإنقاذ نفسه من بعض الممارسات اللاأخلاقية التي تهدد استمراريته.

ومن أجل تجسيد الخطابين ركحيًا، وإيصال الرسالة للجمهور، اعتمدت المسرحية، إلى جانب الفعلين القولي والجسدي، على تقنيات مسرحية وسينمائية لافتة، ويمكن القول إنها باتت علامة مميزة لجمعية مبدعون بلا حدود، وهي كسر الجدار الرابع خاصة مع دخول عزو للركح من بين الجماهير، وإخراج الممثلين من شخوصهم المسرحية إلى شخصياتهم الحقيقية كما حدث مع سمير مرنيش وأمين لعابد.. بالإضافة إلى تقنية الفلاش باك والعرض السينمائي البطيء، ما يقودنا للقول إن الجمعية تحاول التأسيس لتقليد مسرحي تجريبي خاصة بعد مسرحية “الجبانة”.

سينوغرافيا، اعتمد يزيد مسعي على ما يعرف بـ”المسرح الفقير”، فلم نر فضاءً ركحيًا مزدحمًا بالدلالات، وإنما تُرك المتفرج في مواجهة مباشرة مع الممثلين الذين أبانوا عن تناغم راجع بالدرجة الأولى للاشتغال مع بعضهم البعض لسنوات طويلة، دون نسيان عامل الحياة الجمعوية التي لا تنتج ممثلين فحسب، بل عائلة واحدة.

في مجملها قدمت مسرحية “التايهة” خطابًا أخلاقيًا.. لكن دون خطابية أو نبرة وعظية مقيتة، في قالب كوميدي، ضمن إيصال الرسالة بسلاسة وفق رؤية إخراجية تميل بعض الشيء إلى التغريب البريشتي.. كانت “التايهة” دعوة لأخلقة الحياة بكل مناحيها.. لأخلقة الحياة الأسرية بالدرجة الأولى والاجتماعية بالدرجة الثانية.. والمهنية وصولًا إلى الفنية.. كأنها قالت وما تزال تقول إن خلاص الإنسان لا يكمن إلا في الرجوع للأخلاق باعتبارها اللجام الأول لشرّه.

عبد المالك بابا أحمد

مقالات ذات صلة

الأستاذ عامر جديد لـ “الصريح”: عنابة تعاني نقصا في الأدبيات المتعلقة بالفعل الثوري

sarih_eco_cult

غياب معقل “الغرناطي” عن المهرجان الوطني للموسيقى الأندلسية يثير الامتعاض

sarih_eco_cult

على خطى دردور: بونة أم عنابة؟

sarih_eco_cult