إبتسام بلبل
شكل استقبال وزير الشؤون الخارجية والتعاون الدولي المالي، عبد الله ديوب، للسفير الجزائري لدى مالي، كمال رتيب، بحر الأسبوع المنصرم، أول لقاء رسمي بين مسؤولي البلدين منذ إنهاء القطيعة الدبلوماسية التي استمرت قرابة 14 شهرا، في خطوة تعكس بداية مرحلة جديدة لإعادة تنشيط العلاقات الثنائية، بعد إعلان الجزائر ومالي، يوم 10 جويلية الجاري، إعادة سفيريهما إلى منصبيهما وفتح مجاليهما الجويين أمام الرحلات.
وفي هذا السياق، يرى المحلل السياسي والباحث في الشؤون الإستراتيجية، وحيد بوطريق، في تصريح لـ”الصريح”، أن ما حدث “ليس مجرد عودة سفير أو استئناف للعلاقات الدبلوماسية، بل هو عودة للعلاقات إلى مسارها الطبيعي”، مؤكدا أن ما يجمع الجزائر ومالي أكبر بكثير من أي أزمة ظرفية أو خلاف سياسي عابر.
وأوضح محدثنا أن الجزائر بالنسبة لمالي ليست مجرد دولة مجاورة، بل تمثل جارا استراتيجيا وشريكا تاريخيا، تجمعهما حدود لا يمكن تغييرها، وتاريخ مشترك، وروابط إنسانية واجتماعية ودينية وثقافية عميقة، إضافة إلى عائلات تمتد على جانبي الحدود، ما يجعل العلاقة بين البلدين علاقة ثابتة لا ترتبط بالأشخاص أو بالظروف السياسية الآنية.
وأضاف بوطريق أن السياسة الخارجية الجزائرية تقوم على ما وصفه بـ”الصبر الاستراتيجي”، فهي لا تعتمد على ردود الفعل الانفعالية أو” دبلوماسية الضجيج”، وإنما ترتكز على العمل الهادئ وبناء الثقة والإبقاء على قنوات الحوار مفتوحة حتى في أصعب الأزمات، انطلاقا من قناعة بأن الجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة، إلى جانب الواقع الإقليمي والدولي، تفرض التعاون بين البلدين.
تعاون مالي مع الجزائر ضرورة
وأشار وحيد بوطريق إلى أن استقبال وزير الخارجية المالي للسفير الجزائري يأتي في إطار إعادة العلاقات إلى طبيعتها التاريخية، وهو ما أكدته البيانات الرسمية التي تحدثت عن إعادة تنشيط التعاون وإعادة السفيرين وفتح المجال الجوي، موضحا في السياق أن استمرار القطيعة لا يخدم مصالح البلدين، خاصة في ظل التعقيدات الأمنية التي تعرفها منطقة الساحل.
وأضاف الباحث في الشؤون الإستراتيجية، أن مالي تواجه تحديات أمنية وسياسية واقتصادية كبيرة، ما يجعل التعاون مع الجزائر ضرورة أكثر منه خيارا، بالنظر إلى طول الحدود المشتركة والخبرة الجزائرية في مكافحة الإرهاب والوساطة الإقليمية، فضلا عن مبادراتها المستمرة لدعم الاستقرار في المنطقة.
كما لفت المتحدث إلى أن التحولات الجيوسياسية المتسارعة، سواء على مستوى التحالفات الإقليمية أو الحضور الدولي في الساحل، تدفع مختلف الأطراف إلى إعادة ترتيب علاقاتها وفق منطق المصالح والاستقرار.
الجزائر شريك موثوق في الساحل
وأكد الباحث بوطريق أن الجزائر حافظت خلال السنوات الأخيرة على علاقات نشطة مع معظم دول الساحل، من بينها موريتانيا والنيجر وتشاد، كما واصلت تقديم الدعم في مجالات الطاقة والتكوين والتنمية، وهو ما عزز مكانتها كشريك موثوق في المنطقة، مضيفا في السياق أن عددا من الشركاء الدوليين عادوا إلى التأكيد على أهمية الحلول السياسية والتفاوضية، بما في ذلك المرجعيات المرتبطة باتفاق الجزائر، بعدما أثبتت التجارب أن المقاربة العسكرية وحدها لم تحقق الاستقرار والتنمية المنشودة.
الخلافات لم تكسر العلاقات
وأشار المحلل السياسي إلى أن العلاقات الجزائرية-المالية مرت في مراحل سابقة بفترات فتور، لكنها كانت تعود دائما إلى طبيعتها، لأن الثوابت التي تجمع البلدين أقوى من الخلافات الظرفية، وفي هذا الإطار، استحضر شخصية وزير الخارجية الراحل محمد الصديق بن يحيى، الذي كان حريصا، حتى في أصعب الظروف، على حماية العلاقات الجزائرية-المالية، مستشهدا بما رواه المجاه و رئيس مجلس الأمة السابق، صالح قوجيل حول وصية بن يحيى بعدم تحميل مالي أي مسؤولية قد تسيء إلى العلاقات الثنائية، تقديرا لدعمها للثورة التحريرية المباركة)أول نوفمبر(1954 .
واعتبر بوطريق أن هذه الرواية تعكس الثقافة الدبلوماسية الجزائرية القائمة على حماية العلاقات الإستراتيجية وعدم التضحية بها بسبب أحداث ظرفية، كما اعتبر أن تصريحات رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون خلال الأزمة، والتي أكد فيها أن الرئيس المالي لم يوجه إساءة مباشرة إلى الجزائر، حملت رسالة واضحة مفادها أن الجزائر كانت تميز بين الخلاف السياسي ومستقبل العلاقة مع الدولة والشعب المالي.
مستقبل الوساطة
وبخصوص مستقبل الوساطة، أكد بوطريق لـ “الصريح” أن الجزائر مؤهلة لاستعادة دورها الطبيعي، ليس لأنها تفرض نفسها، وإنما لأن مختلف الأطراف تدرك أنها تمتلك عناصر لا تتوفر لدى كثير من الفاعلين، بفضل معرفتها الدقيقة بمنطقة الساحل، وخبرتها الطويلة في الوساطات، وقبولها لدى العديد من الأطراف، إضافة إلى تمسكها بمبدأ الحلول السياسية واحترام سيادة الدول.
وأشار المتحدث إلى أن استئناف العلاقات سينعكس إيجابا على الأمن الإقليمي، لأن ملفات مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وتأمين الحدود، وتبادل المعلومات الأمنية، لا يمكن معالجتها بفعالية في ظل القطيعة.
وأكد المحلل السياسي والباحث في الشؤون الإستراتيجية، وحيد بوطريق، على أن الرسالة السياسية لهذا التقارب تتمثل في أن دول الجوار، مهما بلغت حدة الخلافات بينها، تعود في النهاية إلى منطق الحوار والمصلحة المشتركة، معتبرا أن مستقبل العلاقات الجزائرية-المالية سيكون أقرب إلى التعاون لأن ما يجمع البلدين من تاريخ وجغرافيا ومصالح إستراتيجية أكبر بكثير من أي خلاف عابر، فالأشخاص والحكومات يتغيرون، بينما تبقى الجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة هي الأساس الذي يحكم العلاقات بين البلدين.
