إبتسام بلبل
أكد أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة “مولود معمري” بتيزي وزو، جلال حدادي، أن حجم ونوع المحجوزات التي تضبطها مختلف المصالح الأمنية من المخدرات والمؤثرات العقلية يكشفان عن وجود محاولات مستمرة ومنظمة لاستهداف الجزائر بالمخدرات من جهات معادية باعتبارها تساند هذه المنظمات الإجرامية أو تتستر على أعمالها بهدف التأثير على الاستقرار الاجتماعي والأمني للبلاد.
وأوضح حدادي في اتصال مع “الصريح” أن نشاط هذه المنظمات الإجرامية لا يرتبط فقط بتحقيق عائدات مالية وإجرامية معتبرة، وإنما يتصل أيضا بمحاولات تستهدف تشويه سمعة الجزائر دوليا والتأثير على استقلالية صناعة القرار والسيادة الوطنية، وهو ما يطرح تحديات متزايدة تتعلق بحماية الأمن الوطني بمختلف أبعاده، وفي هذا السياق، أوضح أن انتشار المخدرات والمؤثرات العقلية يترك تداعيات مباشرة على الأمن الصحي، بالنظر إلى الأضرار التي يمكن أن يترتب عنها تعاطي هذه المواد على الصحة الجسدية والنفسية والعقلية للأفراد، فضلا عن إهدار الموارد البشرية واستنزاف الموارد الطبية والمؤسساتية للدولة، وما قد يصاحب ذلك من نقل للأمراض المعدية، كما اعتبر أن انتشار المخدرات يشكل تهديدا للأمن المجتمعي بالنظر إلى انعكاساته على تماسك الأسرة والمجتمع وما يمكن أن يرتبط به من تفكك أسري وظهور آفات اجتماعية مختلفة، من بينها السرقة والقتل، وأشار المحلل السياسي إلى أن تداعيات الظاهرة لا تقتصر على الجانبين الصحي والاجتماعي، وإنما تمتد أيضا إلى الأمن الاقتصادي، من خلال استنزاف الموارد المالية للأفراد والأسر والدولة، والتأثير على إنتاجية القوى العاملة وزيادة معدلات البطالة، فضلا عن تمويل شبكات الجريمة المنظمة وتوجيه الأموال نحو الاقتصاد الموازي وتبييض الأموال بدلا من توجيهها إلى مشاريع التنمية المحلية والمستدامة والاتجار المشروع.
وبخصوص العمليات الأمنية الأخيرة، اعتبر حدادي أن ما تنفذه مختلف المصالح الأمنية أبان عن مدى الجاهزية والاحترافية واليقظة في التصدي لشبكات الجريمة المنظمة والاتجار غير المشروع بالمخدرات والمؤثرات العقلية، وأكد أن هذه العمليات تترجم عزم وإرادة الدولة الجزائرية في مواجهة هذه الجرائم التي تهدد الاستقرار والأمن الوطنيين، كما تمثل نتائج ميدانية واضحة تبعث برسالة مفادها أن الجزائر متجندة على جميع الجبهات لحماية أمنها القومي، وأضاف أن الأجهزة الأمنية أثبتت مرة أخرى امتلاكها لقدرات عملياتية واستخباراتية عالية، مكنتها من إحباط مخططات إجرامية تستهدف أمن المواطن واستقرار الدولة، وفي هذا الإطار، توقف الأستاذ حدادي عند العملية الأخيرة التي أسفرت عن ضبط 10 ملايين و400 ألف مؤثر عقلي من نوع “بريغابالين” وأكثر من 33 كيلوغراما من “الكوكايين”، إلى جانب تفكيك شبكة إجرامية دولية منظمة تنشط في مجال الاتجار غير المشروع بالمخدرات والمؤثرات العقلية، واعتبر أن هذه العملية تعد إنجازا نوعيا لمصالح الأمن الوطني بالنظر إلى حجم المحجوزات وعدد أفراد الشبكة والمركبات المسترجعة والقيمة التسويقية الإجمالية للمحجوزات، وأكد في هذا الإطار أن حماية المواطن والوطن وصون السيادة والأمن الوطنيين رهان يتطلب استمرار اليقظة وتضافر جهود مختلف المؤسسات والفاعلين إلى جانب التعاون الإقليمي والدولي لمواجهة الاتجار غير المشروع بالمخدرات والمؤثرات العقلية.
وفي السياق ذاته، أبرز حدادي أن أهمية المقاربة الجزائرية اليوم تكمن في أنها لا تكتفي بالمعالجة الأمنية داخل الحدود الوطنية، بل تعمل أيضا على دعم جهود الاستقرار الإقليمي وتعزيز التعاون الأمني والاستخباراتي على المستويين الإقليمي والدولي، وأوضح أن ذلك يتم من خلال مراقبة الحدود عبر نشر وحدات من الجيش الوطني الشعبي ومصالح الأمن للحد من عمليات تهريب المخدرات، إلى جانب التعاون الثنائي والتنسيق الأمني المشترك وتبادل المعلومات مع دول الجوار لمراقبة تحركات شبكات التهريب، كما أشار أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية إلى التعاون الاستراتيجي في إطار الاتحاد الإفريقي ولجنة الأركان العملياتية المشتركة باعتباره أحد أطر التنسيق والتعاون في مواجهة التهديدات الأمنية التي تتجاوز الحدود الوطنية، وكذا الشراكة في إطار منظمة الأمم المتحدة والالتزام بالاتفاقات الدولية المعنية بمكافحة المخدرات والجريمة المنظمة وتبادل الخبرات من خلال المشاركة في المؤتمرات والورشات الدولية لتوحيد الرؤى والسياسات الأمنية ضد أساليب التهريب الحديثة و”الأنتربول” بالتعاون مع المنظمة الدولية للشرطة الجنائية لملاحقة شبكات التهريب الدولية.
