ش.شبور
ألقى رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، الخطاب السنوي أمام المتعاملين الاقتصاديين، استعرض خلاله مؤشرات الاقتصاد الوطني والتحولات التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة، مؤكدا أن الاقتصاد الوطني استعاد عافيته بعد أن كان يعتمد بشكل أساسي على عائدات النفط ويخضع لسياسة استيراد فوضوية.
وأوضح رئيس الجمهورية أن مسار الاقتصاد الوطني قبل سنة 2019 كان متخلفا، في ظل غياب التبادل بين القطاعات بما يسمح لها بالاستفادة من بعضها البعض، وعدم وجود صناعة تحويلية، مقابل توجه واسع نحو الاستيراد، مشيرا إلى أن الفارق بين الوضع السابق والحالي كبير وشاسع، وأن الجزائر أصبحت اليوم ثالث أكبر اقتصاد في إفريقيا، وهي مكانة اعتبر أنها تثير الحسد.
وأكد رئيس الجمهورية أن تحقيق نتائج أفضل يظل مرتبطا بالقضاء على النقائص ومراجعة الواردات بطريقة مهيكلة، مبرزا أن العديد من الدول عرفت تحولات مماثلة، وكان الانتقال بالنسبة لها صعبا للغاية ونتجت عنه اختلالات اقتصادية، في حين تعمل الجزائر على المرور بهذه المرحلة بسلاسة ودون هزات تنعكس على الوضع الاقتصادي والاجتماعي، وهي معادلة صعبة.
وشدد رئيس الجمهورية على ضرورة ضبط الأرقام حتى تتمكن الجزائر من الاتكال على نفسها فقط، ملتزما بعدم التخلي عن الدور الاجتماعي للدولة، ومؤكدا أن البلاد لا تخضع كليا لقانون العرض والطلب، الذي يبقى مطلوبا في بعض القطاعات، بينما ينبغي للدولة التدخل في القطاعات ذات الأثر الاجتماعي، داعيا إلى تعاون الجميع من أجل تحقيق هذه الغاية النبيلة.
وفي هذا السياق، أكد رئيس الجمهورية أنه بفضل تضافر جهود الجميع، ستصل الجزائر سنة 2027 إلى اقتصاد قوي يراعي الجانب الاجتماعي للدولة، مشددا على أن الاقتصاد الوطني تعافى وأن العمل سيتواصل على المنوال نفسه، بالتضامن والتماسك مع كل القوى في البلاد، من أجل الانتهاء من بناء اقتصاد قوي مع نهاية سنة 2027.
وبخصوص الواردات، كشف رئيس الجمهورية أنها تقلصت بما بين 40 و42 مليار دولار، معتبرا أن ذلك دليل على قوة الاقتصاد الوطني، موضحا أن الجزائر لا تحرم المواطنين من الاستيراد، وإنما تستورد ما تحتاجه فقط، وهو المبتغى المنشود.
كما أشار إلى أن الجزائر توقفت خلال السنوات الأخيرة عن استيراد البنزين ووقود الطائرات «الكيروزان»، وستتوقف نهائيا عن استيراد مادة المازوت عند انطلاق الإنتاج بمصفاة حاسي مسعود الجديدة.
وفي قطاع الصناعة الصيدلانية، أوضح رئيس الجمهورية أن الجزائر أصبحت تنتج 84 بالمائة من احتياجاتها من الدواء، بما في ذلك أدوية معقدة خاصة بمرضى السكري والسرطان، فيما ساهم قطاع الصناعة في الناتج الداخلي الخام وارتفع بـ10 بالمائة، مضيفا أن المواطن بات يرى عملية فتح المصانع كل أسبوع.
أما قطاع الفلاحة، فقد ساهم بـ15 بالمائة في الناتج الداخلي الخام، إلى جانب الاستثمارات الموجهة لإنتاج الزيت والسكر، وتحقيق الاكتفاء في الحبوب بنهاية سنة 2027، وهي مؤشرات تعكس تطور الاقتصاد الوطني وتقليص الاستيراد.
وفيما يتعلق بصناعة السيارات، أكد رئيس الجمهورية أنه في حال سارت الأمور وفق ما خُطط له مع الألمان والإيطاليين، فستصل الجزائر إلى إنتاج سيارة جزائرية مع نهاية سنة 2028، بعلبة سرعة جزائرية وعجلات جزائرية، وليس مجرد نفخ عجلات، معتبرا ذلك رهانا ستعمل البلاد على تحقيقه.
كما أشاد رئيس الجمهورية بالخطوات الهامة المحققة في مجال الاستثمار بعد مراجعة المنظومة القانونية، مشيرا إلى وجود 13 ألف مشروع استثمار حقيقي، ومؤكدا أن هذا التطور يعكس الجهود المبذولة لتطوير الاقتصاد وتقليل الاعتماد على المحروقات.
وفي هذا الإطار، وصف رئيس الجمهورية الشباك الوحيد الوطني للاستثمار بالتجربة الرائدة، باعتباره هيئة تستقطب الاستثمارات الوطنية والأجنبية، وتتمتع بكل الصلاحيات والقرارات المتعلقة بالاستثمار، معلنا أن نظام الشباك الوحيد الوطني للاستثمار سيُطبق بداية من الفاتح جانفي القادم، مع دخول قانون المالية لسنة 2027 حيز التنفيذ.
ودعا رئيس الجمهورية إلى التجند من أجل رفع الصادرات خارج المحروقات، مؤكدا ضرورة بذل الجهد والتفاني وانخراط الجميع، ومبرزا أن الدولة تساعد المستثمر، وهو بدوره يساعد الدولة.
وشدد رئيس الجمهورية على أن الأرقام واضحة، وأن تقلص الاستيراد وارتفاع التصدير واقع وليس تحليلا سياسويا، مؤكدا أن الجزائر ستواصل البناء خلال سنة 2027، التي ستكون سنة محورية في النهضة الاقتصادية التي تشهدها البلاد.
كما دعا إلى الابتعاد عن الجشع والتفكير في الطبقة الوسطى، وبالخصوص الطبقة الهشة، مشيرا إلى أن متابعة الإنتاج مهمة الجميع، ومؤكدا ضرورة الإسراع في تأسيس هيئة اقتصادية تعمل على ضبط عمليات التموين عن طريق التخزين وشراء فائض الإنتاج من الفلاحين والمنتجين.
وأكد رئيس الجمهورية أن رجال الأعمال والمتعاملين الاقتصاديين شركاء بأتم معنى الكلمة، وأن مستقبل البلاد يُبنى بسواعد أبنائها جميعا، كل من موقعه، مشددا على أهمية الحوار بين رجال الأعمال والمتعاملين الاقتصاديين العموميين والخواص، وداعيا إياهم، كل في مجال نشاطه، إلى المساهمة في بناء اقتصاد معاصر وتنافسي قادر على الصمود أمام تقلبات الاقتصاد العالمي.
كما أوضح أن اللقاء يعبر عن دعم الدولة للمتعاملين الاقتصاديين الوطنيين والنزهاء في كل الولايات، داعيا إلى التجند لمحاربة الطفيليين والتصدي لهم، خاصة في ظل محاولات البعض منهم استنزاف احتياطي العملة الصعبة دون تقديم أي مقابل للبلاد.
وفي سياق متصل، أكد رئيس الجمهورية أن النتائج الإيجابية المحققة حقائق وليست أوهاما، مشيرا إلى أنه لم يكن أحد يحلم بربط تندوف بوهران عبر السكة الحديدية.
وفي ختام تصريحاته، دعا رئيس الجمهورية وزير المالية إلى التواصل مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي لمراجعة المعطيات المتعلقة بالنتائج والواقع الاقتصادي الحقيقي والملموس، الذي توضحه الأرقام الصحيحة والمؤشرات الدقيقة.
