احتضنت مدينة عنابة، مساء أمس، حفل افتتاح الطبعة الثامنة من المهرجان الثقافي الوطني للإنتاج المسرحي النسوي، في تظاهرة حملت هذا العام طابعاً مختلفاً بخروجها إلى الشارع، لكنها لم تخلُ من مفارقات أثارت تساؤلات المتابعين.
تميز افتتاح هذه الدورة بتأثيث ساحة الثورة، المقابلة للمسرح الجهوي عز الدين مجوبي، بأجنحة لمجموعة من الجمعيات عرضت فيها أفكارها وأنشطتها. أما في ساحة المسرح، فقد استعانت إدارة المهرجان بتماثيل نسائية حية على أسلوب الفن المعاصر، في محاولة لإثارة فضول الجمهور، وهو ما نجح فعلاً في جذب حشود غفيرة تجمعت أمام المسرح.
غير أن هذا الزخم الجماهيري اصطدم بواقع مغاير: فالولوج إلى حفل الافتتاح كان حصرياً عبر الدعوات، ما حرم الجماهير المتحمسة من الدخول. وهي حادثة متكررة في العديد من المهرجانات، حيث تُخلق صورة إعلامية وزخم جماهيري في الافتتاح، دون أن تُفتح الأبواب أمام العامة إلا في اليوم الموالي، بعد أن يخفت حماس الجمهور الأول. وهنا تكمن المفارقة التي رافقت انطلاق هذه الدورة.
بالدخول إلى بهو المسرح، استقبل الزوار معرض للأزياء المسرحية النسائية المستلهمة من ريبرتوار المسرح الجزائري، على غرار أزياء مسرحيتي “رصيف النوار ما يجاوبش” لحميد غوري، و”مزغة 95″ للمخرج يحيى بن عامر. وإن كانت الفكرة في حد ذاتها جيدة، إلا أن البطاقات التقنية المرفقة بالأزياء افتقرت إلى معلومات كافية ودقيقة، إذ غاب عنها ذكر سنة العرض، واسم مرتدي الزي ودوره، ما أفقد المعرض لمسته التأريخية. وقد يعود هذا النقص إلى غياب عمل أرشيفي جاد يواكب المسرح الجزائري.
تخلل حفل الافتتاح كلمات لكل من محافظة المهرجان تونس آيت علي، وممثل وزيرة الثقافة والفنون عبد الناصر خلاف، والأمين العام للولاية نيابة عن الوالي، تلتها مراسم تكريم لمجموعة من الكفاءات النسائية الجزائرية والعالمية، تقديراً لإسهاماتهن في المشهد الثقافي النسائي على المستويين الوطني والعالمي. وشمل التكريم كلاً من ماريتا بانتشيف، رئيسة جمعية المجتمع “يونيسكو” (UCA) بباريس، وصليحة شامي، وفلاك عثماني، ودلفين يبعث من ساحل العاج، والفنانة الجزائرية عايدة كشود.
أما عرض الافتتاح، الذي استغرق نحو ثلاثين دقيقة، فقد تبيّن أنه مقطع معاد توظيفه من مسرحية “حسناء والوحوش” لمخرجها كمال رويني، وهو بالمناسبة المدير الفني لمهرجان المسرح النسوي والمستشار الفني لمسرح عز الدين مجوبي نفسه. وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول طبيعة هذا العرض، وإن كان يندرج ضمن ما يُعرف بـ”الأوتو-بلاجيا” أو عملية “الريسيكلاج.
ويزيد من حساسية الأمر أن المنشطة لم تُشر خلال تقديمها إلى أن العرض مقتطف من مسرحية “حسناء والوحوش”، بل قدّمته على أنه قطعة مسرحية من إبداع المخرج كمال رويني والمحافظة تونس آيت علي، في حين أن المعالجة الدرامية الأصلية للمسرحية تعود لـ هشام بوسهلة، الذي لم يُذكر اسمه في التوطئة التقديمية للعرض.
في المقابل، يسجَّل لهذه الطبعة تخليها عن منطق المنافسة التقليدي، وفتحها باب النقاش النقدي من خلال استقدام مجموعة من النقاد، إلى جانب إتاحة الفرصة لحاملات المشاريع المسرحية لتطوير عروضهن، في توجه يراهن على المرافقة الفنية أكثر من التنافس على الجوائز.
ورغم الملاحظات التي رافقت الافتتاح وستظل محل نقاش، يبدو أن هذه الدورة قد نجحت في إثارة اهتمام الجمهور المحلي، لكن في ظل غياب لافت للصحافة الوطنية، التي اقتصر حضورها على المراسلين الصحفيين فقط. وهي سابقة تُسجَّل على هذا المهرجان، الذي كان في طبعات سابقة يستقطب الصحافة الوطنية وكبريات القنوات التلفزيونية.
