وفاة المناضلة الأمريكية-الجزائرية إيلين مختفي عن 98 عامًا

توفيت المناضلة الأمريكية المناهضة للاستعمار إيلين مختفي، التي كانت قد حصلت مؤخرًا على الجنسية الجزائرية، عن عمر ناهز 98 عامًا، وذلك بحسب ما أورده الصحفي بقناة الجزائر الدولية والمكلف بمهمة لدى رئاسة الجمهورية فيصل مطاوي

من نيويورك إلى باريس

وُلدت إيلين مختفي باسم إيلين كلاين في 10 ديسمبر 1928 في هيمبستيد بولاية نيويورك، لأسرة عاملة من تجار الأقمشة المتواضعين، وعاشت طفولة متنقلة بين عدة مدن أمريكية صغيرة، في سن السادسة عشرة، غادرت بيت العائلة للالتحاق بكلية في ولاية جورجيا، لكنها صُدمت بعنصرية الجنوب الأمريكي الصارخة في ظل قوانين الفصل العنصري، وطُردت من المدرسة بعد عام واحد فقط.

عادت إلى نيويورك حيث انخرطت في أوساط الناشطين من أجل السلام العالمي بعد الحرب العالمية الثانية، وأصبحت مديرة لمنظمة طلابية ناشطة تابعة لحركة “الفيدراليين العالميين المتحدين” التي كانت تدعو لإقامة حكومة ديمقراطية عالمية. وفي عام 1951، وعن عمر 23 عامًا، سافرت من نيويورك إلى باريس بالباخرة في رحلة استغرقت 14 يومًا، بحثًا عن عمل كمترجمة.

اكتشاف القضية الجزائرية

في باريس، سرعان ما وجدت طريقها إلى صفوف الناشطين المناهضين للعنصرية والاستعمار. ففي عام 1952 حضرت مسيرة عيد العمال العالمي في باريس، حيث التقت لأول مرة نقابيين جزائريين، لتبدأ من هناك علاقتها الطويلة بالقضية الجزائرية. تعمّق انخراطها في هذا النضال أكثر حين شاركت عام 1958 في مؤتمر شعوب عموم أفريقيا المنعقد في أكرا بغانا، حيث التقت بشخصيتين ستتركان أثرًا عميقًا في مسارها: المفكر الثوري المارتينيكي فرانز فانون، والدبلوماسي الجزائري محمد سحنون. قررت مختفي حينها العمل إلى جانبهما لدعم جبهة التحرير الوطني الجزائرية.

انضمت إلى سحنون في نيويورك واستقرت هناك عام 1960، حيث عملت في المكتب المحلي للحكومة الجزائرية المؤقتة وجبهة التحرير الوطني، وتابعت في الوقت نفسه دروسًا في جامعة نيويورك. وخلال هذه الفترة، كانت تلتقي بالعديد من قادة الثورة الجزائرية لدى قدومهم لحضور جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة، ترافقهم كمترجمة ومرشدة. ومع تدهور صحة فرانز فانون عام 1961 إثر إصابته بسرطان الدم أثناء تلقيه العلاج في واشنطن، كانت مختفي تزوره أسبوعيًا وتدعم عائلته، وساعدت في رعاية ابنه أوليفييه البالغ من العمر ست سنوات آنذاك، حتى وفاته في ديسمبر من العام نفسه.

اثنتا عشرة سنة في الجزائر المستقلة

بعد استقلال الجزائر عام 1962، استقرت مختفي في العاصمة الجزائرية، لتبقى فيها اثنتي عشرة سنة عملت خلالها كصحفية ومترجمة، وكانت الأمريكية الوحيدة العاملة في الإدارة الجزائرية الجديدة، حيث تولت مهامًا متنوعة كـ”مصلحة عامة” لا تكاد تحصر. التحقت بهيئة تحرير وكالة الأنباء الجزائرية (APS)، وفي عام 1969 كُلّفت بتنظيم أول مهرجان ثقافي بان-أفريقي بالجزائر العاصمة، وهو الحدث الذي حوّل العاصمة إلى ملتقى لحركات التحرر المناهضة للاستعمار في العالم. وتولت خلال تلك الحقبة استقبال ممثلي حركات التحرر الوطني الأفريقية القادمين من موزمبيق وأنغولا وجنوب أفريقيا.

ومن أبرز أدوارها في تلك الفترة، كانت بمثابة الوسيط غير الرسمي بين السلطات الجزائرية والمنشقين الأمريكيين الذين وجدوا ملجأ لهم على الأراضي الجزائرية، بدءًا من الناشط الحقوقي ستوكلي كارمايكل إلى داعية العقاقير النفسية تيموثي ليري. وطوّرت علاقة مكثفة، وأحيانًا صعبة، مع زعيم حزب الفهود السود إلدريدج كليفر، الذي فرّ إلى الجزائر عام 1969 برفقة زوجته كاثلين كليفر، سكرتيرة الإعلام في الحزب، وتبعهما عدد من كبار قياديي الحركة، إلى جانب الصحفي اليساري روبرت شير.

الزواج من مختار مختفي

تزوجت مختفي من مختار مختفي، أحد عناصر جيش التحرير الوطني الجزائري الذي تحوّل بعد الاستقلال إلى كاتب، وكانا قد التقيا خلال إقامتها في الجزائر. توفي مختار عام 2015 في نيويورك، وهو صاحب مذكرات لاقت صدى واسعًا بعنوان “كنت مسلمًا فرنسيًا” (2016) روى فيها تجربته في الحرب كعنصر في جهاز اللاسلكي بجيش التحرير. وفي عام 2024، أسّست مختفي منحة دراسية باسمها واسم زوجها الراحل لدعم الطلاب في جامعة كاليفورنيا (يو سي إل إيه)، تخليدًا لذكراه.

مؤلفاتها .. الجزائر عاصمة الثورة

في عام 2018، أصدرت مختفي مذكراتها عن تجربتها الجزائرية بعنوان “الجزائر عاصمة الثورة: من فانون إلى الفهود السود” عن دار فيرسو الأمريكية، وصدرت نسختها بالعربية عن منشورات البرزخ بالجزائر. وقد نال الكتاب اهتمامًا واسعًا لكونه شهادة نادرة من الداخل على تحوّل الجزائر إلى قِبلة لحركات التحرر العالمية في الستينيات والسبعينيات.

وفي ديسمبر 2025، كانت مختفي ضيفة شرف الدورة الثانية عشرة لمهرجان الجزائر الدولي للفيلم، حيث احتفلت بعيد ميلادها السابع والتسعين وسط سينمائيين ومثقفين جزائريين، وكُرّمت تكريمًا خاصًا قاده أحمد بجاوي، الرئيس الشرفي والعضو المؤسس للمهرجان. كما شاركت في تلك الفترة في ندوة عن فرانز فانون، وفي لقاء نظمته الجمعية الدولية لأصدقاء الثورة الجزائرية، وواكبها فريق تصوير للمخرجة الصربية ميلا توراييليتش التي كانت تُعِدّ فيلمًا وثائقيًا عن مسيرتها.

وكان الجانب الرمزي من مسيرة إيلين مختفي قد بلغ ذروته قبل أشهر قليلة من رحيلها، حين حصلت رسميًا على الجنسية الجزائرية بموجب مرسوم رئاسي صدر في 23 جويلية 2026 ونُشر في الجريدة الرسمية، تتويجًا لمسار استثنائي امتد لأكثر من ستة عقود في خدمة قضية الجزائر وقضايا التحرر عبر العالم. وبذلك كانت تحمل، حتى وفاتها، الجنسيتين الأمريكية والجزائرية معًا.

عبد المالك باباأحمد 

مقالات ذات صلة

تمديد آجال الترشح للمشاركة في «Gourara Lab» بتيميمون

sarih_auteur

فتح باب الترشح للمشاركة في بينالي الفن الإفريقي المعاصر

sarih_auteur

مشروع لإعادة تأهيل المعهد العالي لمهن الفنون الاستعراضية

sarih_auteur