الصالون الدولي للكتاب في طبعته 29: ندوات وتوقيعات تجمع الرواية بالترجمة والتاريخ

العاصمة – عبد المالك بابا أحمد
شهد الصالون الدولي للكتاب في طبعته التاسعة والعشرين نشاطاً ثقافياً متنوعاً، أمس، جمع بين توقيع إصدارات جديدة وندوات فكرية وتكريمات متبادلة بين مؤسسات النشر، وتوزعت فعالياته بين أجنحة دور النشر وقاعات البرنامج الثقافي.
«البرتقالة الزرقاء»: خمسون عاماً بين الأدب والسلطة
وقّع الروائي الجزائري أمين زاوي، بجناح دار العين المصرية، روايته الجديدة «البرتقالة الزرقاء»، وهي عمل مزدوج النسخة، صدر بالفرنسية عن منشورات «لان مان» تحت عنوان «L’Orange bleue»، وبالعربية عن دار العين بالقاهرة. وقال زاوي إنه حاول التوقف عند نحو خمسين سنة من تاريخ الجزائر، من عشية الحرب العالمية الثانية إلى منتصف التسعينيات.
تنطلق الرواية من أسرة بسيطة بضواحي تلمسان، يخرج منها شاب تدور حوله الأحداث، يتعلق بالأدب البرتغالي ويدرس البرتغالية، ثم يقع في حب أديب كان رئيس دولة هو مانويل غوميز، الذي فرّ من بلاده في ثلاثينيات القرن الماضي واستقر في بجاية نحو عشر سنوات، ومات في غرفة متواضعة بفندق بسيط. ومن خلال بحث الشاب عنه تطرح الرواية سؤال علاقة الأدب بالسلطة: هل يقدر شاعر أو أديب أن يكون رئيس دولة؟ فالأدباء، كما يقول زاوي، يتميزون برهافة الإحساس، بينما تحتاج الدولة إلى منطق الصرامة.
وتمتد رحلة الشاب من تلمسان إلى وهران وبجاية، ثم لشبونة ومدريد، وصولاً إلى النورماندي، حيث يلتقي الشاعر ليوبولد سيدار سنغور في قرية فيرسون. وأشار زاوي إلى أنه عرف سنغور عن قرب خلال إقامته بالمنطقة سنتين أو ثلاثاً. وفي الفصول الأخيرة يواجه الشاب ضابطاً فرنسياً شارك في حرب التحرير، عذّبه ضميره بعد مقتل أمه مع رضيعها، فيطلب من مساعده الجزائري أن يقتله ويناوله المسدس، لكن الجزائري يفضّل أن يراه يتألم على أن ينهي حياته برصاصة.
أما العنوان، فيعود، بحسب زاوي، إلى تجربة بيكاسو الذي قضى سنوات لا يرسم إلا باللون الأزرق. فالبرتقالي مزيج من الأحمر والأصفر ولون الشمس، والأزرق لون الأرض كما تُرى من الخارج. وتحفر الرواية في موضوع السلطة التي تشبه في بدايتها ألق البرتقال، لكنها إذا فسدت صارت زرقاء كالبرتقالة التي تعفنت.
«بني كلبون»: قسوة الواقع في ست قصص
وفي مجال القصة، صدرت للكاتب عبد القادر جمعة مجموعته الأولى «بني كلبون» التي تضم ست قصص تغوص في مظاهر من الحياة الاجتماعية والسياسية بالجزائر. وقال جمعة إن فكرتها التعبير عن واقع اجتماعي قاسٍ لا تظهر قسوته في كثير من الكتابات، وإن هذه القسوة تتجلى عبر سلوك الشخصيات ومعاناة الأبطال وقدر من السخرية السوداء. وتتناول النصوص الحب والحقد والفقر والألم والمعاناة اليومية، وسؤال كيف تتحول هذه المعاناة إلى مصدر للإلهام الإنساني: فالإنسان قد يتسامى على الواقع المؤلم، وقد يتهاوى فيُظهر أسوأ ما فيه.
نك تايلور: الأدب الجزائري ثمرة امتزاج ثقافات متنوعة
واحتضن جناح السفارة الأمريكية، يوم الخميس 29 أكتوبر، ندوة للروائي والمترجم الأمريكي نيك تايلور عن تجربته في ترجمة «الحريق» لمحمد ديب. ويدير تايلور برنامج الماجستير في الكتابة الإبداعية بجامعة سان خوسيه الحكومية ومركز مارثا هيزلي كوكس لدراسات شتاينبك، وشارك سنة 2025 في إنجاز أول طبعة إنجليزية من الرواية.
قرأ المحاضر مقطعين وصفيين، أحدهما لديب والآخر لشتاينبك، واستخلص أن الكاتبين يصفان مسقط رأسيهما الريفي بحنان وولع بالتفاصيل، فيحددان التلة باسمها وشكلها، ويلمّحان إلى حضور الإنسان عبر آثاره في الطبيعة. وفي جدوى الترجمة تساءل: كم من «ديب» آخر يوجد في العالم؟ مشيراً إلى أن دارسي شتاينبك لم يعرفوا بأمر ديب إلا بعد صدور «الحريق»، وأن المترجم يمنح القراء أداة لا يعرف كيف سيوظفونها.
وفي النقاش، رأى أن الثقافة الجزائرية مزيج من الأمازيغية والعربية والإسبانية والفرنسية وثقافات أخرى، وهو ما يميزها داخل العالم العربي. وميّز الترجمة الأدبية عن ترجمة الوثائق، لأنها تستبدل صورة بصورة وتبحث عن موسيقى النص نفسها. وأوضح أنه شاهد جزءاً من النسخة التلفزيونية لـ«الحريق» المنتجة في السبعينيات، وأن الناشر هو من يحدد سمك الكتاب لا اللغة. ورشّح للراغبين في الترجمة سلسلة مذكرات فرانسيسكو خيمينيز، وأولها «The Circuit». وأجاب عمّن سأله كيف يكتب كتاباً: «اكتب كتاباً فقط».
الناشرون المصريون يكرّمون إدارة الصالون
وفي إطار العلاقات الثقافية، أهدى رئيس اتحاد الناشرين المصريين فريد زهران درع الاتحاد إلى محافظ الصالون محمد اقرب، تقديراً لجهود إدارة المعرض في تنظيمه وتطويره وتيسير مشاركة الناشرين المصريين، الذين يقارب عددهم 200 ناشر سنوياً بحسب بيان الاتحاد. وحضر مراسم التسليم وكيل الاتحاد أحمد رشاد ورئيس لجنة المعارض العربية والدولية محمود خلف. وأكد الاتحاد تطلعه إلى مزيد من التنسيق خلال الدورات المقبلة.
ندوة الدعم السعودي للثورة الجزائرية
وعلى صعيد البرنامج الثقافي، احتضنت قاعة «آسيا جبار» ندوة بعنوان «مساهمة المملكة العربية السعودية في دعم الثورة الجزائرية»، أدارها السفير السابق مصطفى بوطورة، الذي أوضح أن الدعم اتخذ أشكالاً دبلوماسية ومالية وشعبية وإعلامية، واستمر حتى استرجاع السيادة الوطنية.
وتوقف الأستاذ رشيد ولد بوسيافة عند جذور المساندة في مرحلة العمل الإصلاحي وصلات الرياض بابن باديس والإبراهيمي والعقبي، ثم تدويل القضية في الجامعة العربية، وتعيين أحمد الشقيري على رأس الوفد السعودي في الأمم المتحدة بطلب من جبهة التحرير. وأشار إلى مسعى أُقنعت فيه 14 دولة إفريقية وآسيوية بإدراج القضية على جدول الجمعية العامة، قبل أن تحول معارضة فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة دون ذلك، وإلى قطع المملكة علاقاتها بفرنسا سنة 1956.
وتناول الأستاذان عبد الله مقلاتي وعمر بوضربة الدعم المالي، من حملات «يوم الجزائر» التي ترأس لجنتها الأمير سلمان بن عبد العزيز، إلى المخصصات الحكومية المنتظمة. وبلغت حصيلة حملة 1956 أربعة ملايين ومائتي ألف ريال، وأقر الملك سعود تخصيص 15 شعبان من كل عام لجمع التبرعات. أما الدكتور رضوان شافو فعاد بالجذور إلى القرن التاسع عشر عبر رحلات الحج وصلات العلماء، وتطرق إلى دور فتاوى وتبرعات علماء سعوديين، وإلى الإعلام السعودي الذي خصص مساحات لنقل أخبار الثورة. وختم بوعد الملك سعود غداة الاستقلال بأن يكون أول متبرع للجزائر المستقلة.

مقالات ذات صلة

سيلا 2026.. إقبال واسع يعكس شغف الجزائريين بالمطالعة

sarih_auteur

أحميدة عياشي أفضل شخصية عربية في مهرجان شرم الشيخ بمصر

sarih_auteur

وزيرة الثقافة تتفقد التحضيرات لصالون الجزائر الدولي للكتاب

sarih_auteur