بنجامين ستورا ومحمد حربي علاقة صداقة تخللتها اختلافات تأريخية

ضمن البرنامج الثقافي للطبعة الـ29 للصالون الدولي للكتاب، شارك المؤرخ الفرنسي بنجامين ستورا عشية اليوم في ندوة خُصصت لمئوية تأسيس «نجم شمال أفريقيا». واستحضر في مداخلته علاقته بالمؤرخ الراحل محمد حربي.

وصف ستورا علاقته بحربي بأنها «صداقة فكرية، وتعاون تاريخي دائم، وحوار تخللته أحياناً خلافات سياسية وتأريخية». وقال إن ما جمعهما هو الرغبة في انتزاع تاريخ حرب الاستقلال من الروايات الرسمية ومن الاستخدامات السياسية للماضي، رغم اختلاف مساريهما. فحربي كان فاعلاً في الحركة الوطنية وجبهة التحرير، أما هو فمؤرخ فرنسي وُلد في قسنطينة من عائلة يهودية جزائرية، كرّس أبحاثه لتاريخ القومية الجزائرية وذاكرة الاستعمار.

روى ستورا أن البداية كانت بقراءة كتاب «في أصول جبهة التحرير الوطني» الصادر عام 1975، وكان حينها باحثاً شاباً في نحو الخامسة والعشرين يعدّ أطروحته عن مصالي الحاج تحت إشراف شارل روبير أجيرون. وقال إنه وجد في عمل حربي طريقة جديدة لدراسة القومية الجزائرية، ليست سرداً بطولياً موحداً، بل حركة تخترقها الصراعات والتيارات والتناقضات الداخلية. ورأى في حربي مثقفاً لا ينبغي في نظره أن تخضع الأفكار للدول ولا للقوميات، وهي رؤية قال إنها أصبحت من أسس قربه الفكري منه.

لم تقتصر العلاقة على النقاش النظري، بحسب ستورا، بل قامت على عمل مشترك بدأ أواخر السبعينيات. فقد ساعده حربي على إعادة بناء مسارات المناضلين لإعداد «القاموس البيوغرافي للمناضلين القوميين الجزائريين» (1985)، الذي ضمّ نحو 600 سيرة جمعها بين 1978 و1985. ومنحه معرفة من داخل الحركة الوطنية، فقد كان من قيادة فيدرالية فرنسا لجبهة التحرير، وفاعلاً مهماً في مفاوضات إيفيان. وفي المقابل، ساعده ستورا في الوصول إلى بطاقات مراقبة السكان الجزائريين المحفوظة في إكس-أون-بروفانس، وإلى الأرشيف العسكري في فانسين وأرشيف الصور في إيفري. وقال إن العمل المشترك استمر في الكتاب الجماعي «حرب الجزائر: 1954-2004، نهاية فقدان الذاكرة» الصادر عام 2004.

أكد ستورا أن علاقتهما قامت على قناعة مفادها أن تاريخ الاستقلال لا يُفهم إذا أُخفيت الصراعات داخل الحركة القومية أو حُوِّل الفاعلون إلى أبطال لا يُمَسّون. وذكّر بأن حربي كان ينتقد استعمال السلطة بعد الاستقلال لتاريخ الثورة في إضفاء الشرعية على نفسها، وأنه شرح ذلك في ندوة مشتركة بالجزائر العاصمة في أفريل 2009.

وأوضح أن مقاربتيهما كانتا متكاملتين دون أن تكونا متطابقتين. فحربي حلّل الحركة الوطنية من الداخل، بتياراتها وصراعاتها وانحرافات النظام الذي أعقب الاستقلال، بينما درس هو القومية الجزائرية، ودرس كذلك كيف أخفى المجتمع الفرنسي حرب الجزائر زمناً طويلاً وكيف غذّت الذاكرات المتنافسة النزاعات حول الماضي الاستعماري، كما في كتابه «الغرغرينا والنسيان» (1991). وأضاف أنهما دافعا معاً عن تاريخ لا يخضع لمصالح الدول ولا للقوميات، الجزائرية والفرنسية.

لم يقدّم ستورا علاقتهما على أنها توافق دائم، فتوقف عند خلاف ظهر سنة 1991 مع بثّ الوثائقي «السنوات الجزائرية»، الذي شارك فيه مستشاراً تاريخياً ومؤلفاً. فقد أخذ عليه حربي، بحسب روايته، إعطاءه مكاناً كبيراً لمجزرة مليوزة في ماي 1957، التي قُتل فيها قرويون يُشتبه في تعاطفهم مع المصاليين على يد وحدة من جيش التحرير. وطرح ستورا السؤال الذي يمسّه الخلاف: كيف نروي حرب التحرير دون إخفاء العنف الذي ارتُكب داخل المعسكر الاستقلالي نفسه، ودون أن ندع هذا العنف يشوّه التاريخ العام للنزاع؟ وأضاف أن حربي كان يعيد الحوار بسرعة ويبحث عن نقاط الالتقاء اللازمة لفهم سياسي وديمقراطي لتاريخ الجزائر.

وأشار إلى أنهما واجها معاً تهديدات في التسعينيات، في سياق العنف السياسي الذي استهدف المثقفين، مستنداً إلى لمحة عنه نشرتها مجلة «سليت» عام 2017. وقال إن هذه التجربة عززت التزامهما بالدفاع عن إمكانية كتابة تاريخ نقدي للجزائر، حتى حين يزعج الروايات القومية والسلطات القائمة.

ختم ستورا مداخلته بأن ثقة حربي ساهمت في ترسيخ مشروعيته في دراسات تاريخ الجزائر المعاصرة. لكنه شدد على أن العلاقة لم تكن مصادقة على عمله، بل قامت على تبادل المصادر والأبحاث المشتركة والمواجهات الفكرية. وخلص إلى أن الحدود بين الانتماءات الوطنية لا تحدد بالضرورة التضامنات الفكرية، فقد عمل قيادي سابق في جبهة التحرير ومؤرخ فرنسي من الطائفة اليهودية في الجزائر معاً لاستعادة تناقضات تاريخ مشترك. وقال إن المطلب الذي تقاسمه مع حربي هو أن يستعيد التاريخ حريته أمام السلطات السياسية والذاكرات الرسمية، وإن صداقتهما لم تُلغِ خلافاتهما بل مكّنتهما من مواجهتها دون التخلي عن الحوار.

عبد المالك باباأحمد 

مقالات ذات صلة

الصالون الدولي للكتاب في طبعته 29: ندوات وتوقيعات تجمع الرواية بالترجمة والتاريخ

sarih_auteur

سيلا 2026.. إقبال واسع يعكس شغف الجزائريين بالمطالعة

sarih_auteur

أحميدة عياشي أفضل شخصية عربية في مهرجان شرم الشيخ بمصر

sarih_auteur