الوزير الأول: الجزائر تلتزم بخفض انبعاثات الغازات الدفيئة بنسبة 14 بالمائة في آفاق 2035

ش.شبور

أكد الوزير الأول، سيفي غريب، أن الجزائر، تحت قيادة رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، رسخت التزامها المناخي في إطار رؤية استراتيجية توفق بين متطلبات التنمية الوطنية ومسؤولياتها البيئية والمناخية، مشيرا إلى أن هذا الالتزام تجسد من خلال تضمين قضية تغير المناخ في الدستور الجزائري لسنة 2020، تكريسا للبعد البيئي كأحد أعمدة التنمية المستدامة، وإقرار الاستراتيجية الوطنية للهيدروجين الأخضر سنة 2023، إلى جانب إيداع وثيقة المساهمة المحددة وطنيا (CDN) المحدثة لدى أمانة اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ خلال شهر أوت المنصرم، والعمل على إعداد الخطة الوطنية للتكيف مع التغير المناخي.

وأوضح الوزير الأول، خلال افتتاح فعاليات الورشة الوطنية المخصصة للتمويل المناخي وأسواق الكربون، بالجزائر يومي 3 و4 نوفمبر 2026، أن انعقاد هذه الورشة يأتي في ظل التطورات المتسارعة التي يعرفها المشهد الطاقوي والمناخي الدولي، والتحديات المرتبطة بتغير المناخ التي تواجهها البلاد، والتي تستدعي تعبئة واسعة للتمويل المناخي والاستفادة من الآليات الدولية لأسواق الكربون، في إطار الجهود الوطنية الرامية إلى تعزيز الحوكمة المناخية وتعبئة الموارد اللازمة لتجسيد التزامات الجزائر في إطار اتفاقية باريس.

وأشار غريب إلى أن التحولات المناخية والطاقوية الجارية في العالم تمثل تحديا وفرصة في آن واحد، إذ تسمح بإعادة تشكيل منظومات الطاقة والإنتاج والاستثمار، وتفتح المجال أمام ظهور صناعات وتكنولوجيات جديدة، مؤكدا الأهمية المتزايدة للتمويل المناخي وأسواق الكربون في المعادلة الدولية الجديدة، بالنظر إلى دورهما في تعبئة الموارد الضرورية لتمويل مشاريع التخفيف من آثار التغيرات المناخية والتكيف معها، ودعم الانتقال الطاقوي والتكنولوجي، وتشجيع الابتكار والاستثمار في الحلول المساهمة في خفض الانبعاثات.

وشدد الوزير الأول على ضرورة أخذ الخصوصيات الاقتصادية والطاقوية للجزائر بعين الاعتبار، باعتبارها دولة منتجة ومصدرة للمحروقات، وتمتلك منظومة طاقوية وصناعية وخبرات متراكمة يمكن توظيفها في مسار التحول، بما يسمح بالانتقال بصورة تدريجية ومدروسة، مع الحفاظ على أمن الطاقة واستقرار الاقتصاد الوطني وقدرة البلاد على الوفاء باحتياجاتها التنموية.

وأكد غريب أن الجزائر التزمت، من خلال مساهمتها المحددة على المستوى الوطني، بخفض انبعاثات الغازات المولدة للاحتباس الحراري بنسبة 14 بالمائة في آفاق سنة 2035، مع إمكانية رفع هذه النسبة إلى 31 بالمائة في حال توفر الدعم الدولي اللازم، موضحا أن الطموحات الاستثمارية للجزائر في هذا المجال تهدف إلى تسريع وتيرة الانتقال الطاقوي وتعزيز القدرة على الصمود أمام الآثار المترتبة عن التغيرات المناخية، بما يضمن تجسيد انتقال مناخي عادل ومتوازن.

واعتبر الوزير الأول أن تطوير أسواق الكربون يمثل مجالا جديدا ينبغي التعامل معه برؤية استباقية، تقوم على الفهم الدقيق لقواعدها وآلياتها، ووضع الأطر التنظيمية والمؤسساتية والتقنية التي تكفل الشفافية والنزاهة وحماية المصالح الوطنية، مشيرا إلى أن تطوير سوق الكربون في الجزائر لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد أداة للامتثال للالتزامات المناخية، بل مجالا اقتصاديا جديدا يمكن أن يساهم في تعبئة الاستثمارات ونقل التكنولوجيا وخلق القيمة وتشجيع المشاريع القادرة على تحقيق تخفيضات حقيقية وقابلة للقياس في الانبعاثات.

وأضاف غريب أن مشاركة الجزائر في الآليات الدولية، ولا سيما المرتبطة بالمادة السادسة من اتفاق باريس، تستوجب إعدادا مؤسساتيا وتقنيا دقيقا يضمن النزاهة البيئية ويحول دون الازدواج في احتساب التخفيضات، ويحدد بصورة واضحة كيفية اعتماد المشاريع وملكية وحدات الكربون وآليات تسجيلها وتتبعها، فضلا عن تطوير آليات للضمان وتقاسم المخاطر، بما يسمح بتعبئة رأس المال الخاص إلى جانب التمويل العمومي والدولي.

وتطلع الوزير الأول إلى أن تفضي أشغال الورشة إلى توصيات عملية وقابلة للتجسيد، من شأنها المساهمة في بلورة قاعدة قانونية موحدة وأدوات عملياتية شفافة تسمح بوضع إطار وطني فعال للتمويل المناخي وأسواق الكربون، مؤكدا أن نجاح هذا المسعى سيمكن من بناء محفظة وطنية متناسقة من المشاريع المناخية، تكون محددة الأولويات وواضحة الأهداف وقابلة للقياس ومهيأة للاستفادة من مختلف مصادر التمويل.

كما أكد غريب ضرورة تطوير القدرات الوطنية في مجال القياس والإبلاغ والتحقق من انبعاثات الغازات المولدة للاحتباس الحراري، وتعزيز المنظومة المؤسساتية والتنظيمية، مشددا على أن بناء منظومة وطنية للتمويل المناخي يتطلب تضافر جهود مختلف القطاعات والمؤسسات الاقتصادية والمالية، إلى جانب الجامعات ومراكز البحث والخبرة الدولية، مع إرساء آلية فعالة للتنسيق تضمن انسجام السياسات العمومية ذات الصلة.

ودعا الوزير الأول إلى إشراك القطاع الخاص الوطني بصورة أكبر في تمويل المشاريع المناخية، وتهيئة الظروف التي تسمح للبنوك والمؤسسات المالية الوطنية بالمساهمة بفعالية في هذا المسار، إلى جانب استقطاب التمويلات والاستثمارات الخارجية.

وأوضح غريب أن الجزائر، وهي تتقدم بثبات في مسار الانتقال الطاقوي والتنويع الاقتصادي، تدرك أن التحول المناخي لا ينفصل عن التحول الاقتصادي والتكنولوجي، مبرزا أن الجهود التي تبذلها المؤسسات الاقتصادية الوطنية، وفي مقدمتها سوناطراك وسونلغاز، تشكل جزءا أساسيا من هذا المسار، خاصة من خلال تنفيذ برنامج تطوير الطاقة الشمسية الذي يمثل أحد المكونات الهامة لمسار إزالة الكربون من المزيج الطاقوي الوطني.

كما أشار إلى جهود خفض الانبعاثات من خلال القضاء على الحرق الروتيني للغاز، والسعي إلى بلوغ هدف صفر انبعاثات غاز الميثان بحلول سنة 2030، إلى جانب ترقية الفعالية الطاقوية والتقاط الكربون وتطوير الهيدروجين الأخضر.

وفيما يتعلق بالدور الدولي للجزائر، أكد الوزير الأول مساهمة البلاد بفعالية في النقاش الدولي حول المناخ، من خلال الدفاع عن مقاربة عادلة ومتوازنة تحترم خصوصيات الدول وحقها في التنمية، وترسيخ موقع تفاوضي قوي يستند إلى رؤية واضحة لحماية اقتصادات الدول النامية والمنتجة للطاقة، والتأثير في مستقبل التمويل وأسواق الكربون لضمان التكفل بواقع واحتياجات دول الجنوب.

وجدد غريب تمسك الجزائر بمبدأ “المسؤولية المشتركة ولكن المتباينة”، مع دعوتها إلى تعزيز التعاون الدولي، لا سيما في مجالات التمويل ونقل التكنولوجيا وبناء القدرات، مؤكدا أهمية الفرص الواعدة التي تتيحها هذه الديناميكية لبناء اقتصاد وطني قوي ومستدام.

وطالب الوزير الأول آليات التمويل الدولية، وفي مقدمتها الصندوق الأخضر للمناخ، بأداء دور أكثر استجابة وفاعلية، من خلال تبسيط إجراءات الوصول إلى التمويل المناخي وتجاوز التعقيدات الإدارية، وتعزيز المنح والتمويلات الميسرة وتوفير الضمانات الاستثمارية اللازمة، فضلا عن دعم نقل التكنولوجيا لتمكين الدول النامية من الوفاء بالتزاماتها المناخية.

وشدد غريب على أن نجاح الجزائر في هذا المسار سيقاس بقدرتها على تحويل الاستراتيجيات إلى استثمارات مجسدة على أرض الواقع في مجال خفض الانبعاثات وتعزيز التكيف والمرونة، مع الحفاظ على ديناميكية التنمية الوطنية، داعيا جميع المشاركين من مؤسسات وطنية وخبراء وشركاء دوليين إلى جعل هذه الورشة فضاء للحوار الجاد وصياغة مقترحات عملية، معربا عن ثقته في أن تتوج أشغالها بتوصيات واقعية وقابلة للتنفيذ، تسهم في بناء منظومة وطنية متكاملة ومستدامة للتمويل المناخي وأسواق الكربون.

 

 

 

مقالات ذات صلة

وزارة الصحة تطلق مرجعا وطنيا جديدا للتجهيزات الصحية يشمل 716 نوعا من المعدات

sarih_auteur

الوزير الأول يشرف على افتتاح ورشة وطنية حول التمويل المناخي وأسواق الكربون

sarih_auteur

وزير الداخلية يشرف على تنصيب رياض بن أحمد واليًا لأفلو

sarih_auteur