كرنفال روماني .. وصفة ناجحة لإفشال أي مسرحية
حين يقرر الفن القيام بثورة على نفسه، فإنه لا يخرج عن طريقين، الأولى التجريب من خلال التلاعب ببنية الجنس الإبداعي نفسه .. لغته، قواعده التي ينزاح عنها قاصدا .. والثانية الثورة على ممارساته الكلية على أرض الواقع، وهذا ما فعلته مسرحية كرنفال روماني نص المجري ميكلوس هوباي، إنتاج المسرح الجهوي محمد الطاهر فرقاني، إخراج موني بوعلام، وتمثيل كل من: رجاء هواري، شاكر بولمدايس، باديس عنانة، ريان حمايدي، فريد زواوي، رشا سعد الله، إسلام حدرباش، وذلك في عرضها بالمسرح الجهوي عز الدين مجوبي سهرة أول أمس في إطار المهرجان الوطني للإنتاج المسرحي النسوي في طبعته الثامنة بعنابة.
تندرج المسرحية ضمن ما يعرف بالميتا-مسرح، ولكن ليس بالمفهوم التقليدي، أي إن المشاهد لا يشاهد مسرحية داخل مسرحية، إنما يشاهد المسرح كممارسة كاملة الأركان بداية من الإنتاج إلى العرض داخل مسرحية، ليصبح بذلك الكرنفال الروماني مسرحية تشرح واقع المسرح الجزائري وتشخص أمراضه من خلال الكوميديا السوداء، بل وتثور عليه بجرأة منقطعة النظير.
تدور أحداث المسرحية حول شخصية مارغيت، وهي ممثلة مسرحية أكلها النسيان، على قدر لا بأس به من الاحتراف، تجد نفسها عرضة للاستغلال من طرف مدير المسرح- مدير الإنتاج، الذي يعيش حالة من اليأس بسبب عمل مسرحي مرتقب، لم يجد له الدور المناسب، لكن ما الذي أوصله لحالة اليأس تلك؟
تجسد شخصية مدير المسرح المعادل الموضوعي لحالة الاضطراب الأخلاقي التي يعيشها المسرح كممارسة، ويتجلى ذلك في أفعاله مع الممثلين الذين يختارهم لإنجاز العمل المسرحي المرتقب، فهو يؤكد على سلامة مخارج الحروف أو مداخلها، في إشارة ضمنية ذكية للتحرش في الأوساط المسرحية، فهو لا يتوانى في أخذ ممثلة، أو حتى ممثل لمكتبه من أجل تقديم «محاضرات» لتمكينه من الاشتراك في الدور، كما يمارس سلطته دون قيود مهنية أو أخلاقية، فهو لجنة اختيار النصوص، وهو مدير المسرح، وهو المخرج في الظل، بمصطلحاته التكنوقراطية والأكاديمية الموظفة عبثا، والدوميمنوش الذي يجسده قولا وفعلا .. عاكسا بذلك حالة من الاستبداد التي تحول المسرح من مشروع مؤسسة الدولة إلى مشروع استبداد شخصي، لكن المفارقة أن المدير يعلم أنه بحاجة للكفاءات مثل مارغيت .. ومارغيت تعلم أن المدير يستغلها لكنها تذعن له من أجل الظهور على الخشبة مجددا، ما يعكس حالة تواطؤ النخب مع الآلة البيروقراطية الفاسدة في المجال الإبداعي.
وما أوصله لحالة اليأس تلك هو اقتناعه بأن الممثلين الذين اختارهم يصلحون لكل شيء، إلا للتمثيل وإنجاح المسرحية .. فحالة عدم النظام التي تسبب فيها، اتباعا لشهواته وقراراته الارتجالية، هي حالة واعية .. ليصبح بذلك الفساد حالة واعية -ولو جزئيا- تكفل بقاءها التنازلات المقدمة من القوى التي يُفترض أن تكون ضاغطة في الاتجاه المعاكس.
كان بإمكان الكرنفال أن يكون ملحمة .. كان بإمكان مارغيت أن ترفض وتقاوم تلك الآلة المدججة بالمصطلحات والقرارات وكمية لا متناهية من الدناءة وانعدام الكفاءة والأخلاق، لكن الكرنفال الروماني في جوهره -كممارسة في سياقها التاريخي- ما هو إلا جلب الهامش من أجل إمتاع المتن، وهنا تكمن المفارقة الكبرى، كرنفال روماني يضحكنا في القاعة، وبعد أن نخرج منها ونفكر في تفاصيل المسرحية، لا نحس سوى بالخزي لما آلت إليه أمور المسرح ..متأملا في الوصفة المحكمة التي قدمها لإفشال أية مسرحية.
