افتتاح الدورة الـ15 للمهرجان الثقافي الدولي للمسرح ببجاية 

بجاية – عبد المالك باباأحمد

من الشارع إلى الخشبة، ومن الذاكرة إلى العروض المنتظرة، دشّنت بجاية مساء أمس الدورة الخامسة عشرة من المهرجان الثقافي الدولي للمسرح، في افتتاح اختلطت فيه الاحتفالية الشعبية بالطابع الرسمي، وحضرت فيه الذاكرة المسرحية عبر تكريمات مؤثرة. ويمتد الموعد إلى 23 أكتوبر بمشاركة الجزائر وخمس دول أخرى، وبمحاور تتوزع بين المنافسة الدولية ومسرح القرية والتكوين والسينما ومسرح الطفل.

مسيرة احتفالية تُخرج المسرح إلى الشارع

لم يبدأ الافتتاح داخل القاعة، بل في الشارع المؤدي إلى المسرح الجهوي «عبد المالك بوڨرموح»، حيث انطلقت مسيرة احتفالية تتابعت فيها الفرق الواحدة تلو الأخرى. تقدّمت فرقة «الشموع» رفقة تعانية «يوز ماجيك» بعرض في مسرح الحلقة كما أسّس له عبد القادر علولة، ثم مرّت الكشافة الإسلامية الجزائرية فرع «رميلة» بمعزوفات وطنية. وجذبت فرقة «شيلا آر» الأنظار بثلاث فتيات يمشين على الركائز الخشبية، قبل أن تواصل الفرقة النحاسية لبجاية إيقاع المسيرة، وتختمها فرقة «إيخولاف» للفولكلور بأغانٍ تراثية من الذاكرة الأمازيغية.

وعند بلوغ المسرح، قدّمت كل فرقة عرضها الخاص أمام بابه، فيما جلس المدعوون على كراسٍ نُصبت أمام المبنى، وتحلّق الجمهور حول العروض من كل جانب، في مشهد اختلطت فيه الرسمية بعفوية الشارع. وهكذا فتح الافتتاح الباب أمام الشارع البجاوي ليدخل المسرح، أو ليخرج المسرح إليه، مؤكدًا أن الجمعيات الثقافية الفاعلة بالولاية شريك حقيقي في صناعة المشهد الثقافي بالمدينة.

كلمة الوزيرة: المسرح لغة إنسانية مشتركة

في كلمة افتتاح المهرجان، أكدت سليمة قاوة، ممثلة وزيرة الثقافة والفنون الدكتورة مليكة بن دودة، أن احتضان الطبعة الخامسة عشرة تأكيدٌ لمكانة المسرح لغةً إنسانية مشتركة ووسيلةً للتواصل بين الشعوب. وثمّنت مشاركة ضيوف الجزائر والفرق الوطنية، معتبرة أنها شاهدة على تنوع المدارس والتجارب وعلى القدرة على التجديد والإبداع. ورأت أن الموعد فضاء للحوار الفني والفكري ومناسبة لتثمين التجارب وربط الجسور بين الدول والثقافات.

وأوضحت أن رؤية الوزارة تنطلق من قناعة بأن النهوض بالفن الرابع لا يتحقق بالمهرجانات وحدها، بل بإستراتيجية شاملة تقوم على التكوين والتجريب ودعم الفنانين والفرق المسرحية وتوفير الظروف الملائمة لبروز ثقافة جديدة. وشددت على أن المواهب المسرحية تحتل مكانة محورية، فـ«كل موهبة تستحق فرصة للتعبير والتطور»، وأن الاهتمام بها مسار مستمر لا يرتبط بمناسبة ثقافية. وذكّرت بأن للمسرح الجزائري رصيدًا تاريخيًا وفنيًا فرض وجوده في المحافل الدولية وحقق تتويجات واعترافات خارج الحدود، وهو ما يدعو إلى مواصلة العمل وتشجيع المبادرات الجادة. كما اعتبرت تزامن الدورة مع إحياء يوم الهجرة في 17 أكتوبر تذكيرًا بأن الثقافة ليست منفصلة عن الذاكرة.

عندما تتذكر الخشبة أبناءها

شكّلت التكريمات اللحظة الأكثر تأثيرًا في حفل الافتتاح. فقد كرّم المهرجان عبد المالك بوڨرموح وفلاق وطاهر خلفاوي ومالك زايدي، إضافة إلى لبنان ضيف شرف الدورة، وتخلّلت ذلك فيديوهات تروي مسارات المحتفى بهم، فيما كانت وجوههم تتعاقب على الشاشة.

وكان التكريم الأبرز لعبد المالك بوڨرموح (1946-1989) الذي يحمل مسرح بجاية الجهوي اسمه اليوم، إذ استعادت الصور أعماله ونشاطه التكويني، وذكّرت بالتزامه تجاه الممثلين ودوره في نقل المعرفة المسرحية، مع استحضار مسرحياته التي طبعت المشهد ومنها «رجال يا هلالف».

ثم احتفى الحفل بفلاق لتفرّد عالمه وقدرته على تجديد العلاقة بين الركح والجمهور. ولأن الفنان البجاوي مريض فلم يتمكن من التنقل، غير أن القاعة خصّته بتصفيق طويل حيّت فيه فنانًا استثنائيًا. وفي شهادته عنه، يستعيد المخرج والمنتج بلقاسم حجاج بداياته: «كنا صديقين منذ عودته من كيبك، وكنت عائدًا من بلجيكا حيث درست السينما». ويروي أن فلاق اقتحم الساحة بعرضه «Çape» الذي بدا في المشهد المسرحي الجزائري حينها «كائنًا غريبًا»، ونجح نجاحًا فوريًا واسعًا، فانتقل من قاعة صغيرة بمسرح المعهد الفرنسي بالجزائر إلى قاعة أكبر أمام إقبال الجمهور. ويضيف أن فلاق كان يعمل ممثلًا في المسرح الوطني الجزائري، لكن حاجته إلى الخلق دفعته إلى البحث عن «مسرح مختلف»، وأنه «فنان لا يكتفي بما هو موجود».

وتواصلت التكريمات بالاحتفاء بطاهر خلفاوي ومالك زايدي، وفق ما يؤكد حضور مسارات صنعت الحياة الثقافية. أما لبنان، ضيف الشرف، فمثّله الممثل قاسم سطمبولي الذي أهدى التكريم إلى والدته ودعاها إلى الصعود على الخشبة. واختُتمت الفقرة بنبرة أخف مع إعلان المطرب ياسين زواوي، الذي وقف أمام الستار المغلق وفي يده باقة ورد، ليؤدي أغنية «المدينة» قبل تقديم العرض.

قاسم سطمبولي لـ«الصريح»: المسرح فعل مقاوم

في تصريح خص به «الصريح»، قال ضيف الشرف قاسم سطمبولي إن المسرح «لا يموت»، وهو ما يردده اللبنانيون، فمسارح بيروت ما تزال تعمل، وكذلك مسارح طرابلس وصور. واعتبر المسرح «فعلًا مقاومًا» يجب أن يبقى مفتوحًا للناس في الحرب والسلم.

وعبّر عن سعادة الوفد اللبناني بالتواجد في «بجاية الحضارة والتاريخ»، معتبرًا أنها مدينة تحب الناس ولها جمهور متعطش، وأن لا تكنولوجيا تستطيع تعويض المسرح لأنه يجسد العلاقة الحميمة بين المرسِل والمتلقي. وأشاد بأن لبنان ضيف شرف هذه الطبعة، مستحضرًا علاقة خاصة بين البلدين: «سبق أن افتتحنا مسرحًا في لبنان فكان العرض جزائريًا، فالبداية كانت مع الجزائر، والجزائر حاضرة دائمًا في لبنان كما لبنان حاضر دائمًا في الجزائر».

برنامج غني من المنافسة إلى القرية

يتواصل المهرجان بعد الافتتاح ببرنامج متعدد الأوجه. ففي المنافسة الدولية بالمسرح الجهوي عبد المالك بوڨرموح من 16 إلى 22 أكتوبر، تفتتح العراق العروض بمسرحية «الساعة 03:03» لفرقة تركمان دراما المسرح، ويقدم المسرح الجهوي لتيزي وزو «لوحة الدم» في اليوم الموالي. ويحل الإيطاليون يوم 18 أكتوبر بعرض «Pagliacci» لـ TIR Opera Urbana APS، ثم تعرض السنغال «La graine de la discorde» يوم 19، و«جنازة أيوب» للمسرح الوطني الجزائري يوم 20، وتقدم روسيا «Pauvre Lisa» يوم 21، لتُختتم المنافسة بـ«الهاربات» للمسرح الوطني التونسي يوم 22 أكتوبر، على أن يُسدل الستار بحفل الختام يوم 23.

وإلى جانب المنافسة الدولية، تُقام مسابقة «أمازڤون ن تدرارث» لمسرح القرية بقاعة مراد زيدير بدار الثقافة، بسبعة عروض من 16 إلى 22 أكتوبر، منها «Tansawt» و«Ikem» و«Taos» و«La valise vide» و«Cix El Kanun». ولا يقتصر المهرجان على عاصمة الولاية، إذ تتنقل عروض الفرق بين بلديات أقبو وأوقاس وأميزور وأكفادو وأوزلاقن والقصر وخراطة بين 16 و21 أكتوبر، ويحضر مسرح قسنطينة بعرض «الحواوي» في خراطة يوم 19.

تكوين وسينما وطفل

يقترح المهرجان من 17 إلى 19 أكتوبر ثلاث ورشات تكوينية: الأولى حول «دراماتورجيا جسد الممثل في مسرح الشمس» يؤطرها عبد الجبار سيد سمير من مسرح الشمس بفرنسا والمخرج العراقي المقيم بهولندا فارس الماشطة، والثانية في التمثيل «من الممثل إلى الشخصية عبر الوضعية الدرامية» بإشراف الدكتور خالد بوزيد من تونس، والثالثة في السينوغرافيا يؤطرها الدكتور حمزة جاب الله من الجزائر.

وتحتضن قاعة السينماتيك يوميًا عند الثانية بعد الظهر، من 17 إلى 21 أكتوبر، برنامجًا سينمائيًا مرتبطًا بالمسرح، يضم مقاطع من أعمال محمد فلاق بحضور المخرج حجاج بلقاسم، وشريطًا وثائقيًا عن الراحل مالك بوڨرموح، ومحاضرة ليزيد أعراب تليها مشاهدة «حسان التاكسي» لمحمد سليم رياض، وعرض «بوعلام زيد القدام» لموسى حداد. أما الجمهور الصغير فله ثلاثة عروض: «سر الدمية» و«الساحرة والأيتام» و«أنا والكلمة السحرية».

بين مسيرة الشارع وتكريمات الذاكرة وكلمة تراهن على التكوين ودعم المواهب، رسمت الدورة الخامسة عشرة ملامحها منذ الليلة الأولى: مهرجان يجمع الدولي بالمحلي، والرسمي بالشعبي، ويراهن على أن يظل المسرح لغة إنسانية مشتركة. وتبقى العروض المقبلة هي المحك الحقيقي لهذا الرهان.

مقالات ذات صلة

بن دودة تنصّب لجنة القراءة وإعانة السينما

sarih_auteur

برنامج متنوع لإحياء اليوم الوطني للهجرة بعنابة

sarih_auteur

 31 أكتوبر آخر أجل لإيداع مشاريع الأفلام الطويلة ضمن برنامج «Basta Cinéma» لمهرجان وهران الدولي

sarih_auteur