اختُتم أمس الملتقى العلمي «المسرح والأنثروبولوجيا: مكانة الممثل والطقس وفضاءات العرض»، المنظَّم على هامش الدورة الخامسة عشرة من المهرجان الدولي للمسرح ببجاية، بأربع مداخلات من النيجر وبنين والجزائر، ثم بحزمة توصيات رفعتها اللجنة العلمية، ووُزّعت بعدها الشهادات على المشاركين. وأجمع المتدخلون على أن المسرح والأنثروبولوجيا يلتقيان عند الإنسان وكيفية بنائه للمعنى داخل مجتمعه، وأن الطقوس والفضاءات التقليدية مصدر حيّ للأشكال المسرحية.
الفضاء المشهدي في النيجر
قدّم المهندس هاما موسى، مستشار لدى رئيس الحكومة النيجرية ودراماتورج، مداخلة بعنوان «البعد الاجتماعي الرمزي للفضاء المشهدي التقليدي في النيجر». أوضح فيها أن الفضاء هناك مصفوفة ثقافية حيّة يتقاسمها الممثلون والمتفرجون، بخلاف العلبة الإيطالية. وعدّد أشكاله: شجرة النقاش التي تلتقي فيها الأجيال، وبلاط الزعيم التقليدي حيث يروي الغريوت الملاحم ويقولون عبر المسرح ما لا يُقال علناً، وفضاءات الاستحواذ الروحي، وحلقات المصارعة، ثم «القرابة المزاحية» بين الإثنيات التي تتحول إلى مشاهد مسرحية تلقائية. وخلص إلى أن هذا الفضاء «محكمة القرية ومعبد الأرواح»، متسائلاً عن كيفية استثمار المسرحيين المعاصرين لهذه الحرية في المسرح الحديث والمهرجانات الحضرية.
مسارح إفريقية بالجمع
أما نيكولا دي درافو هونو، المخرج ومدير الشركات المسرحية من بنين، فتحفّظ على عبارة «المسرح الإفريقي»، لأن القارة تضم 54 دولة وآلاف الجماعات الثقافية، والأصح الحديث عن مسارح إفريقية. واعتبر المسرح مرآة تنظر فيها المجتمعات إلى نفسها، ورأى أن الأنثروبولوجيا، بفرعيها الاجتماعي واللساني، تساعد الفنان على تجاوز التمثيل السطحي للطقوس والبحث عما وراء الإيماءات المرئية، بينما يتيح المسرح نقل المعارف وإسماع أصوات الجماعات، عبر الحكاية والأقنعة واللغات الوطنية. وختم بحكمة جدّه: «الإصغاء علامة الكلمة الأكيدة».
العلماء على الخشبة
وعرض البروفيسور جميل عيساني، رئيس الملتقى وأستاذ بحوث العمليات بجامعة بجاية، تجربة «مجموعة دراسة تاريخ الرياضيات في بجاية» (تأسست 1991، ونالت اعتماد اليونسكو سنة 2026) في مسرحة سِيَر العلماء. ومن ثمارها «ليوناردو فيبوناتشي في بجاية» (2007) بإخراج الإيطالي لوكا رداللي، و«المشدالي في تلمسان» (2011) بمشاركة نحو 37 ممثلاً، ثم عمل عن المهدي بن تومرت (2018). وقال إن هذه العروض أثارت من النقاش أكثر مما أثارته المداخلات العلمية.
الممثل الأنثروبولوجي وتجربة السبيبة
وقدّم المدير الفني للمهرجان، المخرج عمر فطموش، مداخلة بعنوان «التجربة مع الطوارق: الممثل الأنثروبولوجي»، استهلها بتحية الزميل إبراهيم الذي قدّم عملاً عن تجربته مع الطوارق. تناول فيها فنانين شعبيين بلا تكوين أكاديمي يمتلكون تقنيات جسدية وإيقاعية قوية. وروى أن شرارة اهتمامه انطلقت من زيارته لأضرحة الأولياء رفقة والدته في صغره، ثم من حضوره قبل نحو عشر سنوات لاحتفال «السبيبة» بجانت. وهي طقس يُروى في أصله أنه يستعيد خلافاً على الماء بين قريتين، ويربطه آخرون بعاشوراء، وتُسمى «حرباً بلا دماء» لأنها منافسة رقص بين قافلتين. ولاحظ أن الراقصين يؤدون حركات تضاهي ما نراه عند ممثلي السيرك المتكوّنين، بتمارين موروثة عن الأجداد.
وأضاف أن الحلقة تضم أكثر من خمسة آلاف شخص يرسمونها بأنفسهم، فلا جمهور بالمعنى المعروف، مستحضراً عبد القادر علولة. ومثّل بحركة الوركين عند المرأة القبائلية، التي تشكلت، بحسب قوله، من حمل الجرّة على الرأس في صعود الجبل، لتكون مثالاً على جسد يعبّر انطلاقاً من واقعه البيولوجي والاجتماعي. وذكر أنه حاول نقل السبيبة إلى الخشبة بعرض كبير مع الطوارق فاز بجائزة في أولمبياد المسرح الدولي ببودابست، وأن طقوساً مماثلة تمتد من الجزائر إلى المغرب والسنغال.
توصيات اللجنة العلمية
تلت الدكتورة جميلة مصطفى زڨاي، مقررة اللجنة العلمية، التوصيات، بعد أن أشادت بجهود محافظة المهرجان واللجنة المنظمة، وفي مقدمتها المدير الفني عمر فطموش ورئيس الملتقى جميل عيساني. وتضمنت التوصيات تخصيص محور لدراسة تجارب رجال المسرح الجزائري وتدوينها وأرشفتها، على غرار دراسة الأستاذة نوال إبراهيم لتجربة عمر فطموش، وإلزام المشاركين بتقديم أوراق مرقمة أو مرفقة بوسيط رقمي، وتوفير آلية ترجمة للأوراق المحررة بالعربية أو الفرنسية.
ودعت اللجنة إلى مد جسور التواصل مع الجامعة، بدعوة طلبة الدكتوراه والأساتذة أو تنظيم الملتقى في أحد مدرجات جامعة عبد الرحمن ميرة، وإلى عقد شراكة مع مخابر البحث المتخصصة بحسب إشكالية كل دورة، والتعاقد مع مجلة علمية محكمة لتحكيم المداخلات ونشرها في عدد خاص. كما أوصت بإنشاء قاعدة بيانات تؤرشف إشكاليات الملتقيات منذ الطبعة الأولى، وبإدراج ملخصات المشاركين ضمن التغطية الإعلامية للمهرجان لأن الملتقى بدا «في الظل»، وبتقييم وتقويم فعالياته وإعادة إدراج ممارسين من الفنانين والمخرجين والدراماتورجيين للحفاظ على الصلة بين الأكاديميين والممارسين.
تيمات مقترحة للدورات المقبلة
اقترحت اللجنة، كأفكار قابلة للقبول أو الرفض، أربع تيمات: «المسرح والخوارزميات، بين روح الخشبة وجماليات الرقمنة»، و«مسرح الشارع: إشكالية المصطلح وجماليات التلقي في الفضاءات المفتوحة»، و«مورفولوجيا العرض المسرحي»، و«مورفولوجيا الفضاء المسرحي من عمارة الخشبة إلى هندسة التجربة البصرية». وفي الختام، وزّع محافظ المهرجان علي عيساوي شهادات على جميع المشاركين.
مبعوث الصريح لـ بجاية: عبد المالك باباأحمد
