التعليم بين مطرقة القيم وسندان الـ A I

أوراق الخميس..بقلم الدكتور: السبتي سلطاني

ظلت العملية التعليمية محط اهتمام كل شعوب الأرض ومناط عنايتهم الفائقة باعتبارها تشكل نموذجا الإنسان المراد تحقيقه في المستقبل، فالتعليم لا يقوم على غرس المعلومات والمعارف في الفرد، بل إنّه يشكل شخصية طفل اليوم ورجل الغد، وبالتالي فمن الطبيعي أن تولي الأمم عناية فائقة به، وتنفق عليه الأموال الطائلة أملا في صنع جيل مستقبلي واع ومفيد لأهله ومجتمعه ووطنه.

لكن في ظل الثورة التكنولوجية الهائلة التي يعيشها العالم في هذه الأزمنة المتأخرة بات السؤال المحوري في هذا الموضوع هو: هل يمكن أن تتحول العملية التعليمية المعاصرة إلى مجرد معمل لإنتاج مهارات تقنية باردة تفقد المتعلم هويته الإنسانية، أم أنّ الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة لإعادة صياغة القيم وغرس التفكير النقدي لدى المتعلمين بكيفية تفيد المتعلم نفسه ومجتمعه ووطنه من بعد؟ ثم كيف يمكن استثمار ثورة الخوارزميات في تشكيل وعي عميق بأهمية التشبث بالقيم الهوياتية للفرد ضمن سياقه الاجتماعي؟

يشكّل الاعتماد على مخرجات الذكاء الاصطناعي وسيلة فعالة ولا غنى عنها لربح الوقت والجهد في الوصول إلى الأهداف المتوخاة في كل مجال يتم استعماله فيه، ما يساعد المتعلمين على استدراك الكثير من الوقت والتفرغ إلى أهداف أخرى يمكن تحصيلها عبر الاستعانة بالتقنية الحديثة، ففي وقت سابق كان الوصول إلى نتائج دقيقة وسريعة يعتمد على حجم الجهد وقلق التفكير لدى الباحث الذي يقضي شطرا كبيرا من عمره في البحث والتقصي من أجل الوصول إلى نتيجة نسبية، ولكن اليوم بفضل ثورة الذكاء الاصطناعي بإمكان المعلم والمتعلم وكافة الأطراف المتداخلة في العلمية التعليمية إنجاز ما يحتاجونه في ظرف زمني قصير وبأقل تكلفة ممكنة على اعتبار أن هذه التكنولوجيا باتت كالعبد المأمور الذي تقدم له الأوامر فيجيبك راضيا مرضيا، فالأمر نفسه مع مختلف أشكال الذكاء الاصطناعي، حيث يكتفي المعلم أو المتعلم بتقديم طلبه أو سؤاله (“Un prompt)وفي أقل من لمح البصر تكون الإجابة جاهزة بين يديه، ولكن ما الخطر المترتب عن هذه السهولة في تلقي المعرفة؟

في الحقيقة يشكل الاعتماد على آليات الذكاء الاصطناعي في العملية التعليمية سلاحا ذا حدين، فهو بالرغم من تبسيط المعرفة وتقديمها بأيسر السبل من شأنه أن يؤدي إلى تقليص القدرة على التفكير النقدي المستقل، وجعل المعلم والمتعلم بلا قدرة على التحليل والتركيب والاستنتاج، حيث يصبح الاعتماد على تلقي الإجابات السريعة والجاهزة وسيلة سهلة للمعرفة ما ينجر عنه حصول ما يسمى الخمول المعرفي، وهو من أشد السلبيات التي تصيب العملية التعليمية برمتها، كما أن تسليم المتلقي نفسه للخوارزميات يفقد التعليم روح التفاعل الإنساني خلال العملية التعليمية التي تقوم على طرفين رئيسيين تربطهما علاقة صفية تفاعلية، وهو ما يعاب على عملية التعليم عن بعد، حيث يصبح المتعلم أسير الخوارزميات المحايدة.

وإذا كانت العملية التعليمية التعلمية لا تقوم بالأساس على حشو المعلومات والنقل الآلي للمعرفة من قائم بالعملية تجاه متلق لها، بل إنّ جوهرها يقوم على بناء الإنسان وترسيخ القيم الثقافية والأخلاقية لدى المتعلم، فهل يشكل الركون التام للخوارزميات خطرا على هذه القيم؟

إنّ الاعتماد الكلي على الذكاء الاصطناعي في تلقي المعرفة في العملية التعليمية وإهمال الجهد البشري في ذلك من شأنه أن يجعل المنظومة القيمية للمجتمع في خطر كبير، باعتبار الاعتماد الكلي على التكنولوجيا من شأنه أن يروّج لثقافة الاستهلاك الفردي ما يعزز إلغاء روح الجماعة في البيئة الاجتماعية التي ينتمي إليها هذا الفرد، ومن ثمّ يتحول هذا الفرد إلى كائن فرداني أناني بعيد كل البعد عن القيم الاجتماعية التي يتميز بها مجتمعنا العربي المسلم، غير أنّ أخطر ما يمثله الاعتماد المفرط على مبتكرات الذكاء الاصطناعي هو تفشي انعدام النزاهة العلمية والأكاديمية، حيث كثيرا ما يلجأ بعض ضعاف النفوس إلى الاعتماد الكلي على الذكاء الاصطناعي وجعله بديلا عنهم مما يخل بقيم النزاهة والمسؤولية الاخلاقية.

ختاما ينبغي أن يكون الاعتماد على الذكاء الاصطناعي بالكيفية التي تجعل منه وسيلة مساعدة لا أداة تسيطر على تفكيرنا وتكون بديلا كليا عن العملية التعليمية برمتها… سلام.

مقالات ذات صلة

أوراق الخميس:الشاشات الرمادية… أو حين يُسرق أبناؤنا في صمت

sarih_auteur

أوراق الخميس:إلى من أضاؤُوا أخاديد المجد في عتمة الجهل… المربّون

sarih_auteur

صناع الحضارة ورعاة الترفيه… مال العرب يدير ظهره للمستقبل

sarih_auteur