بقلم الدكتور: السبتي سلطاني
بالأمس غير البعيد كانت بيوتنا عامرة بالفرح والمسراتـ يعود أبناؤنا إليها مساء فيتجهون إلى الجوار حيث يلتقون مع أندادهم من أبناء الجيرانفيمارسون مع بعضهم شتى الألعاب الطفولية التي تمنحهم الكثير من القيم النفسية والاجتماعية، ثم يعودون إلى البيت فيؤدون واجباتهم المدرسية ويحاورون أولياء أمورهم في بعض المسائل المتعلقة بدراستهم وحاجياتهم قبل أن يخلدوا إلى النوم وقد استمعوا قبل ذلك إلى قصة من هنا وطرفة من هناك وحكاية من حكايات الجدات، لكن أين نحن من تلك الأيام الخوالي بعدما دخلت شاشات الهواتف النقالة والألواح الإلكترونية التي جعلت الآباء والأبناء في عزلة روحية رغم الحضور البدني في الفضاء الأسري نفسه؟ أين هم أبناؤنا بعدما باتت البيوت خاوية على عروشها ممتلئة بالأجساد خاوية من الأرواح، بيوت صامتة كصمت أهل القبور؟
في حقيقة الأمر كان للتكنولوجيا التي غزتنا عبر الوسائط التكنولوجية العملاقة الأثر البالغ في مزيد من العزلة والخواء الروحي والعاطفي، إذ تحولت هذه التكنولوجيا إلى لص خفي يتسلل إل بيوتنا ليخطف منا أعز ما نملك فلذات أكبادنا، إنّه لا يخطفهم كما يتخطف الطير عوام الهوام، بل ينقضّ على قلوبهم وأرواحهم فيقتلعها من ذاتها، من بيئتها ويحيل أرواحها وقلوبها إلى ركام خرب، ولعل أخطر ما جنته هذه التكنولوجيا علينا من دمار يرتبط بتحويل أبنائنا إلى أصنام صلدة لا تعي ولا تشعر ولا تحس.
ومن أهم الأمور التي سرقتها التكنولوجيا في أبنائنا نجد التواصل الإنساني والدفء العائلي، فقديما كان التواصل بين الأبناء وأسرهم طبيعيا ومباشرا ينقل من خلاله الأباء والأمهات فيض مشاعرهم إلى أبنائهم دون واسطة، واليوم انقطع التواصل الإنساني بين أفراد الأسرة الواحدة، حيث يتمترس كل فرد منها في حصن حصين لا يعلم ما يحدث بالقرب منه وليس لديه الوقت الكافي ليناقش أو يعرف شيئا عن غيره، بل أصبح الحوار الذي هو أساس التواصل الاجتماعي والإنساني مغيبا بين أفراد الأسرة الواحدة بسبب انشغال كل فرد بذاته وارتباطه الروحي بهاتفه وعالمه الأزرق، فغابت حكايات الجدات وصوت الأب المجلجل الذي يدخل البيت فيلاقي صدى صوت أبنائه منشترا في كافة اركان البيت وزواياه.
باتت الألعاب الإلكترونية التي تتيحها الوسائط التكنولوجية سالبة لأرواح أبنائنا كما العنكبوت التي تنسج خيوطها لتصنع شرنقة تقضي بها على فريستها، حيث استبدل أبناؤنا ألعاب الشارع على غرار: الغميضة والكرود و”السارق والضارب “وغيرها من الألعاب التي كبرنا عليها بألعاب افتراضية حرمتهم من متعة التحرك والجري والتفكير وجعلتهم أجسادا خامدة خاملة فأصابتهم أمراض تأخر النمو العضلي والسمنة ونقص النظر وتقوس العمود الفقري وغيرها من الأمراض، كل ذلك بفعل الساعات الطوال التي يقضيها هؤلاء الأطفال قابعين في مكان واحد أمام الشاشات الرقمية.
ولعلّ من أخطر الأمراض الفتاكة التي نتجت عن إدمان أبنائنا على التكنولوجيا ووسائلها المتنوعة مرضا لا أمل في الشفاء منه، إنه سرقة تركيزهم وقدراتهم الذهنية، حيث استحالوا إلى كيانات بلا ذاكرة بلا وعي بلا حضور ذهني، تتحدث إليهم وهم في غفلة عن حديثك، حاضرون جسدا غائبون روحا، إذ لم يعد لديهم الوقت لحفظ الدروس ومراجعتها والتركيز الجيد لفهمها بفعل إدمانهم على المقاطع القصيرة من أفلام التيكتوكوالريلز” Reels et Tiktok ”
ختاما لا يمكن أن نعالج هذه الداء المستشري بالابتعاد عن التكنولوجيا وغلق الأبواب في وجهها لأن هذا أمر مستحيل بل إنّ الواجب علينا جميعا أن نستعيد موقعنا كآباء وأمهات في حياة أبنائنا ونعمل على إخراجهم من هذا العالم القاتل الفتاك، لأنّ جلسة حوار بسيطة تصقل شخصية الابن وتنمي لديه قوة الشخصية أكثر بكثير من متابعته للشخصيات الخارقة في ألعاب الفري فاير الافتراضية، إنّ حضنا دافئا في لحظة إنسانية عبقة بالمشاعر الإنسانية كفيل بخلق روح الثقة والتوازن النفسي لدى الطفل فتجعله يقبل على الحياة بكل حب وشغف ونجاح… سلام.
