أوراق الخميس:إلى من أضاؤُوا أخاديد المجد في عتمة الجهل… المربّون

بقلم الدكتور: السبتي سلطاني

حيثما وليت وجهك شطر الشرق أو الغرب لن تجد حضارة تأسست فقط على المال الوفير أو القوة المادية الطاغية بل هناك ما هو أهم من المال وقوة السيف إنه العلم الذي يبني بيوتا بلا أعمد تطاول عنان السماء وتمضي هناك بعيد، فالعلم عند الأمم المتقدمة التي تسعى إلى كسب يومها وغدها، حاضرها ومستقبلها هو الرهان الأعظم والغاية القصوى التي تبني عليها حياتها، ولأن الركيزة الأولى للعلم هي المعلم والأستاذ فإن الاستثمار الأكبر عند هذه الأمم هو المعلم بالدرجة الأولى.

ونحن على عتبات دخول دراسي جديد تتحرك الدولة الجزائرية بكل مكوناتها السياسية والاجتماعية والثقافية لكسب رهان المعرفة عبر القيام باستثمارات مالية كبيرة هدفها الأول والأخير جعل المدرسة الجزائرية منارة علمية سامقة، لذلك ليس غريبا أن نسمع باستثمار أموال طائلة من أجل بناء المدارس والمتوسطات والثانويات الجديدة وإعادة تهيئة العديد من المؤسسات التربوية القديمة عبر تجديد الكتامة وإعادة الدهن وتصليح ما فسد من الطاولات والكراسي وأقفال الأبواب وغيرها، كل ذلك هدفه الرئيس هو توفير أجواء وسياقات اجتماعية ونفسية لائقة لكل المتداخلين في العمل التربوي من أساتذة وتلاميذ وإطار إداري وبيداغوجي.

ومع كل هذه الاستثمارات التي تذكر فتشكر وجب التركيز على عامل أراه بالغ الأهمية وأعني به المربي سواء أكان معلما أم أستاذا، فهذا الأخير هو القاطرة التي تقود الجميع، فبنجاحه تتحقق أهداف التربية ومن دونه نكون كمن يصرخ في وادي أم ينفث في رماد.

كان المعلم قديما كالنبي أو كاد أن يكون رسولا على حد تعبير أمير القوافي أحمد شوقي، فبفضل هذا الرجل الأبي حفظت الأمة على هويتها إزاء مستدمر غاشم سعى للقضاء على الدين والوطن والهوية، لذلك وقف المعلم وقفة حازمة تجاه مخططات أعداء الإنسانية، حيث تمكن رغم قلة ذات اليد من تعليم الفتيان آيات القرآن الكريم وقواعد اللغة العربية وشيء من الفقه الإسلامي ما مكن من غرس هذه القيم العظيمة في نفوس أبنائنا الذين أورثوها فيما بعد لأبنائهم حرصا منهم على ردع المستدمر الذي حاربنا في هويتنا وفي قيمنا الروحية والثقافية، وليس بالغريب أن يكافئ المجتمع هذا الرجل بتوقيره وتكريمه والاحتفاء به حيثما حل وارتحل، بل إنني ما زلت أذكر كيف كان آباؤنا يقدمون لنا نحن الصغار قطع نقدية مقابل استظهار اللوحة الخشبية التي بها آيات من القرآن الكريم دلالة على حفظ بعض أجزائه حينما يلاقوننا على قارعة الطريق.

كما تحول المعلمون في عهد جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بداية من النصف الأول من القرن العشرين إلى مناضلين بامتياز ضد التضييق المتعمد الذي مارسته فرنسا على معلمي اللغة العربية والقرآن الكريم فدفعوا حياتهم ثمنا لهذا النضال العظيم، كما كان لبعض الزوايا الدور الريادي في الحفاظ على هوية الأمة من الاندثار بعدما تحولت مقراتها إلى خلايا نحل نشطة لتحفيض القرآن وتدريس قواعد اللغة العربية والفقه الإسلامي.

وبعد الاستقلال مرت المدرسة الجزائرية بالعديد من المحطات المفصلية لكنها ظلت شامخة وظلت تنجب للأمة الجزائرية العديد من العباقرة الذين أجهلوا العالم باكتشافاتهم العلمية الباهرة وإنجازاتهم العلمية الرائدة وخير دليل على ذلك ما قدمه الزميل يوسف زغبة في حصته التلفزيونية الشهيرة ” علمتني الحياة ” من أسماء كان لها الأثر البارز في مجال العلوم الطبية والفيزيائية والتكنولوجية وغيرها.

سيكون هذا الأسبوع أكثر من 12 مليون تلميذ على موعد مع العودة المدرسية وستكون قلوب وعقول الملايين من الجزائريين معلقة بمستقبل أولادهم خلال هذا الموسم الدراسي، غير أنّ حوالي 630,641 أستاذا وأستاذة سيكونون على موعد مع تجديد العهد مع رسالة الأنبياء وعظماء البشرية رسالة التعليم وأعظم به من رسالة أخلاقية وإنسانية راقية… سلام.

مقالات ذات صلة

صناع الحضارة ورعاة الترفيه… مال العرب يدير ظهره للمستقبل

sarih_auteur

أوراق الخميس : تسونامي اللهب وبشائر النور: قصة تضامن لا ينطفئ

sarih_auteur

عبد الكريم قادري.. أو عندما يلتقي شغف الشعر بسحر السينما

sarih_auteur