أوراق الخميس:حين كان للمشاعر عنوان: في الحنين إلى ساعي البريد

بقلم الدكتور: السبتي سلطاني

في زمن ما كان الحنين إلى رجل يحمل بين يديه محفظة قديمة من جلد عتيق ينتقل من فضاء إلى آخر طارقا الأبواب،مخبرا أهلها بوصول برقية جديدة أو رسالة من عزيز غاب عن القلوب والوجدان زمنا طويلا، ولّى هذا الزمن الجميل العجيب وحلّ محله زمن آخر تنتقل فيه الأحاسيس والمشاعر عبر رنات قصيرة قصر الألفة التي جمعت بين أصحابها، رنّات لا تحمل بين نغماتها سوى لحظات من البؤس المغلف بالنفاق الاجتماعي الذي بات علامة مسجلة في زمن القحط العاطفي الذي نعيشه ونعيش معه أتعس لحظات العمر.

كان لمرور ساعي البريد طعم خاص وهو يتهادى بمشيته وينتقل من باب إلى باب يحمل بين يديه المسرات والأحزان، الأخبار التي تطير لها القلوب فرحا والأنباء التي تهتز لها الأحاسيس شجنا، يأتي على دراجته يتمايل مع الريح يحمل في محفظته الجلدية البنية التي تأكلت أطرافها بفعل القدم لكنها تقاوم عنت السنين وقهر الأيام يحمل أحلامنا وأحزاننا، يسير كما الملك يحمل الأخبار السارة والأنباء المؤلمة بقلب لا يدري ما يحمل لكأني به المتلمس الذي يحمل صحيفته المشؤومة أو فلنقل حنظلة الذي حل على المنذر في يوم شؤمه، كم شهدناه وهو يسلم هذا رسالة فتنتشي الأسارير وتتورد الخدود فرحا وسرورا، وبالمقابل كم أتعس من أناس سلمهم رسائل بل فواجع جعلتهم ينهارون بكاء وألما، وهو كما هو لم يتأثر ولم تنزل له دمعة، آه ما أقساك يا سعي البريد على القلوب التعيسة.

كانت رسائل ساعي البريد كما الحلم الجميل الذي نعيشه لحظات ثم ما نفتأ أن نستفيق على وجع جديد في يوم جديد، لحظة الانتظار ما أقساها على من ينتظر خبرا يسعده بنجاحه في مسابقة أجراها وظل ينتظر نتيجتها وكان الأمل كل الأمل في ساعي البريد الذي يختصر في قلوبنا فرحة النجاح أو خيبة المسعى، لحظة الانتظار تلك ما أطولها على قلب عاشق ينتظر رسالة جميلة من قلب محب قد تأتي وقد لا تأتي، لحظة الانتظار تلك كما قطار العمر تمضي بنا في دهاليز الحياة التي نعيشها بكل ما فيها من آمال وآلام، والرسالة التي نستلمها من يدي ساعي البريد تمنحنا الفرح المؤجل…

كان ساعي البريد يمارس دور رسول المحبة بين المتحابين، يحمل لنا ما تخبئه لنا الأيام من لحظات الفرح أو هنيهات التعاسة، لقد كان الرجل يعرف تفاصيل الحي ويعرف أحزان سكانه ومسراتهم، يجلب نبأ القبول في الجامعةأو بطاقة معايدة من مغترب، أو رسالة حبٍ مُخبأة بظرف كُتب عليه العنوان بدقةٍ متناهية…

سقى الله تلك الأيام التي لن تعود، ففي راهن الناس هذا المفرط في السرعة لم نعد بحاجة إلى تلك الرسائل التي كانت الحروف تعكس حالة صاحبها؛ ارتجاف اليد في الأسطر الأولى، بل صارت الكلمات تصلبنقرة واحدة على الشاشة، وتُمحى بلمسة أخرى بل ازداد الشوق لـ “أناقة البطء”. نَحنُّ إلى زمن ساعي البريد لأننا نَحنُّ إلى المشاعر التي أُخذت على مهل، والكلمات التي كان لها وزنٌ في اليد قبل القلب… سلام.

مقالات ذات صلة

التعليم بين مطرقة القيم وسندان الـ A I

sarih_auteur

أوراق الخميس:الشاشات الرمادية… أو حين يُسرق أبناؤنا في صمت

sarih_auteur

أوراق الخميس:إلى من أضاؤُوا أخاديد المجد في عتمة الجهل… المربّون

sarih_auteur